الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                394 395 396 397 398 ص: ففي هذه الآثار ما ينفي أن يكون أكل ما مست النار حدثا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يتوضأ منه، وقد يجوز أن يكون ما أمر به من الوضوء في الآثار الأول هو وضوء الصلاة، ويجوز أن يكون غسل اليد لا وضوء الصلاة، إلا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه توضأ وأنه لم يتوضأ، فأردنا أن نعلم ما الآخر من ذلك؟

                                                فإذا ابن أبي داود وأبو أمية وأبو زرعة الدمشقي قد حدثونا قالوا: نا علي بن عياش، قال: نا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، قال: " كان آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - هو ترك الوضوء مما مست النار". حدثنا محمد بن خزيمة، نا حجاج، نا عبد العزيز بن مسلم ، عن سهل بن أبي صالح ، عن أبيه، عن أبي هريرة: " : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل ثور أقط فتوضأ، ثم أكل بعده كتفا فصلى ولم يتوضأ".

                                                فثبت بما ذكرنا أن آخر الأمرين عن رسول الله - عليه السلام -: هو ترك الوضوء مما غيرت النار، وأن ما خالف من ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني، هذا إذا كان ما أمر به من الوضوء يريد به وضوء الصلاة، وإن كان لا يريد وضوء الصلاة فلم [ ص: 37 ] يثبت بالأحاديث الأول أن أكل ما غيرت النار حدث، فثبت بما ذكرنا بتصحيح هذه الآثار أن أكل ما مست النار ليس بحدث.

                                                التالي السابق


                                                ش: أراد بهذه الآثار ما رواه عن اثني عشر صحابيا بنفي الوضوء مما مست النار.

                                                قوله: "وقد يجوز ... إلى آخره" تحريره: أن الوضوء المذكور في الأحاديث الأول يحتمل الوضوء الشرعي الذي هو وضوء الصلاة، ويحتمل الوضوء اللغوي وهو أن يريد به غسل اليد والفم من دسمه وزهومته، فإن كان المراد الثاني؛ لم يثبت بالأحاديث الأول كون أكل ما غيرت النار حدثا؛ لأنه إنما يكون حدثا إن لو كان المراد بالوضوء الوضوء الشرعي.

                                                وقد روى الطبراني في "الكبير" بإسناده إلى معاذ بن جبل أنه قال: "إنما أمر النبي - عليه السلام - بالوضوء مما غيرت النار بغسل اليدين والفم للتنظيف، وليس بواجب".

                                                وفي إسناده مطرف بن مازن وقد نسب إلى الكذب.

                                                وقال أبو عمر: ذهب بعض من تكلم في تفسير حديث النبي - عليه السلام -: "توضؤوا مما مست النار" أنه عني به غسل اليد؛ لأن الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة، فكأنه قال: نظفوا أيديكم من غمر ما مسته النار، ومن دسم ما مسته النار، وهذا لا معنى له عند أهل العلم، ولو كان كما ظن هذا القائل؛ لكان دسم ما لم تمسه النار وودك ما لم تمسه النار لا يتنظف منه ولا تغسل منه اليد، وهذا لا يصح عند ذي لب، بل المراد منه الوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعاما مسته النار، ولكن هو منسوخ على ما نبينه .

                                                وقيل: وضوءه - عليه السلام - من ذلك يحتمل أن يكون لشيء آخر اقتضاه، أو لنقض الطهارة أو تجديدها، وقيل: كان أمره بذلك أولا لما كانت عليه الجاهلية والأعراب من قلة التنظيف، فأراد النبي - عليه السلام - تغيير ذلك وعلق لهم شريعة [ ص: 38 ] الوضوء، فلما رأى استقرار النظافة فيهم والتزامهم له؛ نسخ ذلك بتخفيف الحرج في لزومه لهم. انتهى.

                                                وإن كان المراد الأول -أعني الوضوء الشرعي- كما مال إلى هذا جمهور العلماء؛ يكون آخر الأمرين من فعله - عليه السلام - ناسخا للأول كما يشهد له حديث جابر وأبي هريرة على ما نبينه عن قريب -إن شاء الله- فإن حديثهما يشهد أن آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ترك الوضوء [1\ق110-أ] مما غيرت النار، وأن كل ما روي [مما] يخالف ذلك فقد نسخ بالفعل الثاني.

                                                وقال البيهقي في "المعرفة" : قال الشافعي: وإنما قلنا: لا يتوضأ منه؛ لأنه عندنا منسوخ، ألا ترى أن عبد الله بن عباس -وإنما صحبته بعد الفتح- روي عنه: "أنه رآه - عليه السلام - يأكل من كتف شاة، ثم صلى ولم يتوضأ"؟ وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، وأن أمره بالوضوء منه للتنظيف، والثابت عنه أنه لم يتوضأ. انتهى.

                                                وفيه نظر؛ كيف لم يثبت عنه [أنه توضأ] وقد روى عنه جماعة من الصحابة أنه توضأ من ذلك؟ ولهذا قال الطحاوي: إلا أنه قد ثبت عنه بما روينا أنه - عليه السلام - توضأ، وثبت عنه - عليه السلام - أنه لم يتوضأ، ففي مثل ذلك نحتاج إلى علم الآخر منهما، وقد دل حديث جابر وأبي هريرة أن آخر الأمرين ترك الوضوء، فصار الأول منسوخا.

                                                وقال البغوي في "شرح السنة": هو منسوخ عند عامة أهل العلم.

                                                وقال الترمذي في "جامعه" بعد أن روى حديث جابر: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي - عليه السلام - والتابعين ومن بعدهم مثل: سفيان ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق؛ رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين [ ص: 39 ] من رسول الله - عليه السلام - وكان هذا الحديث ناسخا للحديث الأول -حديث الوضوء مما مست النار- انتهى.

                                                قلت: هذا بيان المخلص من المعارضة من حيث التاريخ، وهو أن يعلم بالدليل التاريخ فيما بين النصين، فيكون المتأخر منهما ناسخا للمتقدم.

                                                فإن قيل: الخبر المثبت أولى من النافي؛ لأن المثبت أقرب إلى الصدق من النافي، ولهذا قبلت الشهادة على الإثبات دون النفي، فلا يحتاج إلى طلب المخلص بالتاريخ؛ لعدم تحقق المعارضة.

                                                قلت: الخبر الموجب للنفي معمول به كالموجب للإثبات وما يستدل به على صدق الراوي في الخبر الموجب للإثبات فإنه يستدل بعينه على صدق الراوي في الخبر الموجب للنفي، فحينئذ تتحقق المعارضة؛ فإذا تحققت المعارضة يحتاج إلى طلب المخلص، وقد علم من الأصول أن طلب المخلص أولا من نفس الحجة، فإن لم يكن فمن الحكم، فإن لم يكن فباعتبار الحال، فإن لم يوجد فبمعرفة التاريخ نصا، فإن لم يوجد فبدلالة التاريخ.

                                                وقال أبو عمر: وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة وبالبصرة، ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ، ولم يعرفوا منه غير هذا الوجه الواحد، وكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار، ويتوضؤن من ذلك، وممن روي عنه ذلك: زيد بن ثابت ، وابن [عمرو] وأبو موسى ، وأبو هريرة، وعائشة، وأم حبيبة، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري، وعن ابن عمر وأنس بن مالك وقال به: خارجة بن زيد ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وابن عبد الملك ، ومحمد بن المنكدر ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن شهاب الزهري، فهؤلاء كلهم مدنيون.

                                                [ ص: 40 ] وقال به من أهل العراق : أبو قلابة ، وأبو مجلز ، والحسن البصري ، ويحيى ابن يعمر، وهؤلاء كلهم بصريون، وكأن ابن شهاب قد علم الوجهين جميعا في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب، وكان يذهب إلى أن قوله: - عليه السلام -: "توضؤوا مما غيرت النار" ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس [هذا] ومثله.

                                                وهذا مما غلط فيه الزهري مع سعة عمله، وقد ناظره أصحابه في ذلك وقالوا: كيف يذهب الناسخ على أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، وهم الخلفاء الراشدون؟! فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله - عليه السلام - من منسوخه.

                                                وقال أبو عمر: أظن أن ابن شهاب كان يقول: إن أمهات المؤمنين لا يخفى عليهن الآخر من فعله - عليه السلام -؛ فبهذا استدل -والله أعلم- على أنه الناسخ، وعن عائشة: "كان آخر الأمرين من رسول الله - عليه السلام - الوضوء مما مست النار". [1\ق 110 -ب]




                                                الخدمات العلمية