الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                707 708 709 ص: وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- في ذلك شيء:

                                                حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنا أنس بن عياض ، عن يحيى بن سعيد (ح.

                                                وحدثنا محمد بن الحجاج، قال: أنا علي بن معبد، قال: أنا عبيد الله - يعني ابن عمرو الجزري - عن يحيى، بن سعيد قال: "سألت عمرة عن غسل يوم الجمعة، فذكرت أنها سمعت عائشة تقول: كان الناس عمال أنفسهم، فيروحون بهيئتهم، فقال: لو اغتسلتم". . .

                                                فهذه عائشة -رضي الله عنها- تخبر أن رسول الله -عليه السلام- إنما كان ندبهم إلى الغسل للعلة التي أخبر بها ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأنه يجعل ذلك عليهم حتما، وهي أحد من روينا عنه في الفصل الأول أن النبي -عليه السلام- كان يأمر بالغسل في ذلك اليوم.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قد روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في المعنى الذي ذكره ابن عباس شيء؛ حيث قالت: "كان الناس عمال أنفسهم... " إلى آخره، أرادت: إنما أمرهم رسول الله -عليه السلام- بالغسل للمعنى الذي ذكره ابن عباس، وذلك المعنى قد زال، فزال الوجوب؛ على أن عائشة -رضي الله عنها- هي أحد من روى عنه أنه -عليه السلام- كان يأمر بالغسل يوم الجمعة.

                                                ثم إنه أخرج حديث عائشة من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى ، عن أنس بن عياض بن ضمرة المدني ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، قال: "سألت عمرة... ".

                                                [ ص: 464 ] وأخرجه البخاري: نا عبدان قال: أنا عبد الله، قال: أنا يحيى بن سعيد: "أنه سأل عمرة عن الغسل يوم الجمعة، فقالت: قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان الناس مهنة أنفسهم، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم".

                                                الثاني: عن محمد بن الحجاج الحضرمي ، عن علي بن معبد بن شداد العبدي ، عن عبيد الله بن عمرو أبي الوليد الجزري الرقي، [عن يحيى بن سعيد الأنصاري] ، عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية.

                                                وأخرجه مسلم: نا محمد بن رمح، قال: أنا الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة، عن عائشة -رضي الله عنها-، أنها قالت: "كان الناس أهل عمل ولم يكن لهم كفاة، فكانوا يكون لهم التفل، فقيل لهم: لو اغتسلتم".

                                                وأخرجه أبو داود: نا مسدد، قال: نا حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة، عن عائشة -رضي الله عنها-، قالت: "كان [الناس] مهان أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم".

                                                قوله: "عمال أنفسهم" بضم العين وتشديد الميم، جمع عامل، وأراد أنهم كانوا يخدمون أنفسهم ويعملون أعمالهم بأنفسهم، لم يكن لهم من يخدمهم. والإنسان إذا باشر العمل الشاق بنفسه حمي بدنه وعرق، ولا سيما في البلاد الحارة، فربما يكون منه الرائحة الكريهة، فأمروا بالاغتسال تنظيفا للبدن، وقطعا للرائحة.

                                                و: "المهنة" بالفتحات - جمع ماهن، وهو الخادم، كالكتبة جمع كاتب، وكذلك المهان - بضم الميم وتشديد الهاء - جمع ماهن، ككتاب جمع كاتب، وقال الحافظ

                                                [ ص: 465 ] أبو موسى: "مهان" بكسر الميم والتخفيف: جمع [ماهن] كصيام جمع صائم، وقيام جمع قائم.

                                                قوله: "راحوا في هيئتهم" أي: في صفتهم التي كانوا عليها، والعرق والغبار والرائحة الكريهة.

                                                قوله: "لو اغتسلتم" جوابه محذوف، أي: لو اغتسلتم لكان زال منكم ما يكره ويؤذي جاره، أو لكان أحب.

                                                قوله: "ولم يكن لهم كفاة" بضم الكاف، جمع كاف، كقضاة جمع قاض، وأراد بهم العبيد والخدم الذين يكفونهم الخدمة والعمل.

                                                قوله: "فكانوا يكون لهم التفل" بفتح التاء المثناة من فوق، وفتح الفاء، وأراد به: الرائحة الكريهة.

                                                قوله: "يكون لهم التفل" جملة في محل النصب على أنها خبر قوله: "فكانوا".




                                                الخدمات العلمية