الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                722 723 724 725 726 727 [ ص: 481 ] ص: فإن احتج محتج في وجوب ذلك بما روي عن علي وسعد وأبي قتادة؛ وأبي هريرة -رضي الله عنهم-:

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: نا وهب، قال: نا شعبة ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن عبد الله بن الحارث ، قال: "كنت قاعدا مع سعد ، فذكر الغسل يوم الجمعة، فقال ابنه: لم أغتسل، فقال سعد: : ما كنت أرى مسلما يدع الغسل يوم الجمعة".

                                                حدثنا ابن مرزوق، قال: نا يعقوب بن إسحاق ، قال: نا شعبة ، قال: أخبرني عمرو بن مرة ، عن زاذان ، قال: "سألت عليا -رضي الله عنه- عن الغسل، فقال: اغتسل إذا شئت، قلت: إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل، قال: غسل يوم الجمعة، . ويوم عرفة ، ويوم الفطر، ويوم النحر".

                                                حدثنا يونس ، قال: نا سفيان ، عن عمرو ، عن طاوس، قال: سمعت أبا هريرة يقول: "حق الله واجب على كل مسلم في كل سبعة أيام يغتسل، ويغسل منه كل شيء، ويمس طيبا إن كان لأهله". " .

                                                حدثنا ربيع المؤذن، قال: أنا شعيب بن الليث، قال: نا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن مصعب بن ثابت حدثه، أن ثابت بن أبي قتادة؛ حدثه، أن أبا قتادة ، قال له: "اغتسل للجمعة. فقال: لقد اغتسلت من جنابة، قال: اغتسل للجمعة فإنك إنما اغتسلت للجنابة".

                                                حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا سعيد بن منصور، قال: نا سفيان عن عبدة بن أبي لبابة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى: "أن أباه كان يحدث بعد ما يغتسل يوم الجمعة فيتوضأ ولا يعيد".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي فإن استدل أحد ممن يدعي وجوب الاغتسال يوم الجمعة بما روي عن هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- الأربعة وهم: علي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ، وأبو هريرة عبد الرحمن - على اختلاف في اسمه على ما ينيف على عشرة أسماء - فهذا كأنه اعتراض من جهة أهل المقالة الأولى أورده حتى يجيب عنه.

                                                [ ص: 482 ] وقد أخرج عن كل واحد منهم خبرا.

                                                أما خبر سعد: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير البصري ، عن شعبة بن الحجاج ، عن يزيد بن أبي زياد القرشي، فيه اختلاف كثير، روى له مسلم مقرونا بغيره، والأربعة.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا هشيم، قال: نا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الله بن الحارث، قال: "كنت مع سعد، فجاء ابن له، فقال له: هل اغتسلت؟ قال: لا، توضأت ثم جئت، فقال له سعد: ما أحب أن أحدا يدع الغسل يوم الجمعة".

                                                واسم ابن سعد: إبراهيم .

                                                فقوله: "ما كنت أرى مسلما يدع الغسل يوم الجمعة" أي: يتركه، يدل على أنه واجب، إذ لو لم يكن واجبا لما شدد هذا التشديد على تاركه.

                                                وأما خبر علي -رضي الله عنه-: فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن يعقوب بن إسحاق المقرئ النحوي ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرة الجملي الأعمى، أحد مشايخ أبي حنيفة ، عن زاذان الكوفي الضرير البزاز .

                                                وهذا إسناد صحيح.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا حفص ، عن حجاج ، عن عمرو بن مرة ، عن زاذان، قال: "سألت عليا عن الغسل يوم الجمعة، فقال: الغسل يوم الجمعة وفي العيدين ويوم عرفة ".

                                                [ ص: 483 ] قوله: "إنما أسألك عن الغسل الذي هو الغسل" أي: الغسل الذي لا بد منه ولا ينبغي تركه قال: "غسل يوم الجمعة... " إلى آخره.

                                                وأما خبر أبي هريرة: فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار المكي ، عن طاوس، وهذا صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن حزم في "المحلى".

                                                قوله: "حق" مرفوع بالابتداء، وهو نكرة، ولكنه تخصص بالصفة وهو قوله: "واجب"، وخبره قوله: "يغتسل" والأصوب أن يكون "يغتسل" مبتدأ بتقدير "أن" ويكون قوله: "حق" خبره.

                                                أي: أن يغتسل حق، أي: غسله حق واجب لله تعالى. كما في قوله: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه.

                                                قوله: "ويغسل منه" أي: من جسده كل شيء، ووقع في رواية ذكرها ابن الأثير في "جامعه": "ويغسل رأسه وجسده"، وأراد به الغسل الكامل كغسل الجنابة.

                                                قوله: "ويمس" بالرفع عطفا على قوله: "يغتسل" وفي بعض النسخ: "وليمس" بلام الغائب، والأول: أصح.

                                                وأما خبر أبي قتادة: فأخرجه عن ربيع بن سليمان المؤذن ، عن شعيب بن الليث ، عن أبيه الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب سويد الأزدي المصري ، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي المدني، فيه مقال ووثقه ابن حبان ، عن ثابت بن أبي قتادة؛ الحارث بن ربعي ... إلى آخره.

                                                وأخرجه الطبراني في "الأوسط": من رواية يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله ابن أبي قتادة؛، قال: "دخل علي أبي وأنا أغتسل يوم الجمعة، فقال: غسلك هذا من [ ص: 484 ] جنابة أو للجمعة؟ قلت: من جنابة، قال: أعد غسلا آخر؛ إني سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: من اغتسل يوم الجمعة كان في طهارة إلى الجمعة الأخرى".

                                                وأما خبر عبد الرحمن بن أبزى فإنه خلاف خبر أبي قتادة على ما نذكره عن قريب وكان ينبغي أن يذكره في الجواب عن أخبار هؤلاء، على أنه قال: وقد روينا عن عبد الرحمن بن أبزى خلاف ذلك.

                                                ويستفاد منه شيئان:

                                                الأول: عدم وجوب الغسل يوم الجمعة؛ لأنه لو كان واجبا عنده لأعاده بعد الحدث، لأجل الصلاة به.

                                                والثاني: فيه حجة لمن يرى أن غسل يوم الجمعة لليوم لا للصلاة؛ إذ لو كان للصلاة لكان عبد الرحمن بن أبزى يعيد غسله إذا أحدث، وإليه ذهب الحسن بن زياد من أصحابنا، وقال أبو يوسف: للصلاة، وهو قول طاوس وإبراهيم التيمي ومحمد بن سيرين .

                                                وقال ابن حزم في "المحلى": وغسل يوم الجمعة إنما هو لليوم لا للصلاة، فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذلك، وأول وقته إثر طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى أن يبقى من قرص الشمس مقدار ما يتم غسله كله قبل غروب آخره، وأفضله أن يكون متصلا بالرواح إلى الجمعة.

                                                وقال أبو حنيفة والليث وسفيان وعبد العزيز بن أبي سلمة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وداود كقولنا، وقال طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثم أحدث، يستحب أن يعيد غسله.

                                                وقال مالك والأوزاعي: لا يجزئ غسله يوم الجمعة إلا متصلا بالرواح، إلا أن الأوزاعي، قال: إن اغتسل قبل الفجر ونهض (إلى الجمعة) أجزأه.

                                                [ ص: 485 ] وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينتقض غسله ويتوضأ فقط، فإن أكل أو نام انتقض غسله.

                                                وقال علي: ما نعلم مثل قول مالك عن أحد من الصحابة والتابعين ولا له حجة من قرآن أو سنة، ولا قياس ولا قول صاحب.

                                                ثم إسناد خبر عبد الرحمن بن أبزى صحيح ورجاله من رجال الصحيح ما خلا صالحا .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا سفيان بن عيينة ، عن عبدة بن أبي لبابة ، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه: "أنه كان يغتسل يوم الجمعة، ثم يحدث بعد الغسل ثم لا يعيد غسلا".




                                                الخدمات العلمية