الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1426 [ ص: 291 ] ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل يقول الإمام: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصة، وقالوا: ليس في قول النبي - عليه السلام -: "وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد" دليل على أن ذلك يقوله الإمام دون غيره، ولو كان ذلك كذلك; لاستحال أن يقولها من ليس بمأموم.

                                                فقد رأيناكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: " سمع الله لمن حمده"; فكما كان من يصلي وحده يقولها وليس بمأموم، ولم ينف ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله - عليه السلام -; كان الإمام أيضا يقولها كذلك، ولا ينفي ذلك ما ذكرنا من قول رسول الله - عليه السلام -.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الشعبي وابن سيرين وأبا بردة والشافعي وإسحاق وابن المنذر وأبا يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد في المشهور; فإنهم قالوا: بل يجمع الإمام بين التسميع والتحميد. وإليه ذهبت الظاهرية أيضا.

                                                وفي "المغني" لابن قدامة: وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن مسعود وابن عمر وأبو هريرة - رضي الله عنهم -.

                                                قوله: "ثم يقول المأموم: ربنا ولك الحمد خاصة" يعني لا يجمع بينه وبين "سمع الله لمن حمده"; وفيه خلاف الشافعي .

                                                وقال الترمذي في "جامعه": وقال ابن سيرين وغيره: يقول من خلف الإمام: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" مثل ما يقول الإمام; وبه يقول الشافعي وإسحاق .

                                                قلت: وهو قول ابن نافع وعيسى من أصحاب مالك، ويروى عن مالك أيضا، وإليه ذهبت الظاهرية أيضا.

                                                [ ص: 292 ] وقال صاحب "المغني": قال ابن سيرين وأبو بردة وأبو يوسف ومحمد والشافعي وإسحاق: يقول المأموم ذلك كالإمام. انتهى.

                                                قلت: عده أبا يوسف ومحمدا منهم ليس بصحيح; فإن مذهبهما كمذهب الجمهور: أن المأموم يقتصر على التحميد ولا يجمع بينهما.

                                                قوله: "وقالوا" أي قال الآخرون; هذا جواب عما استدل به أهل المقالة الأولى بالآثار المذكورة على أن التسميع لا يقوله الإمام دون المأموم وهو ظاهر.

                                                قوله: فقد رأيناكم تجمعون على أن المصلي وحده يقولها مع قوله: "سمع الله لمن حمده" أي يقول: "ربنا لك الحمد" مع "سمع الله لمن حمده" وفيه كلام; فقال صاحب "البدائع": وإن كان منفردا يأتي بالتسميع في ظاهر الرواية، وكذا بالتحميد عندهم، وعن أبي حنيفة روايتان:

                                                روى المعلى، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة أنه قال: يأتي بالتسميع دون التحميد.

                                                وإليه ذهب الشيخ أبو القاسم الصفار والشيخ أبو بكر الأعمش، وروى الحسن ، عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما. وذكر في بعض النوادر عنه: أنه يأتي بالتحميد لا غير. وفي "الجامع الصغير" ما يدل عليه; فإن أبا يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة يقول: اللهم اغفر لي؟ قال: يقول: ربنا لك الحمد، ويسكت.

                                                وما أراد به الإمام لأنه لا يأتي بالتحميد عنده; فكان المراد به المنفرد.

                                                وجه هذه الرواية: أن التسميع ترغيب في التحميد، وليس معه من يرغبه، والإنسان لا يرغب نفسه; فكانت حاجته إلى التحميد لا غير.

                                                وجه رواية المعلى: أن التحميد يقع في حالة القومة وهي مسنونة، وسنة الذكر تختص بالفرائض والواجبات كالتشهد في القعدة الأولى; ولهذا لم يشرع في القعدة بين السجدتين.

                                                [ ص: 293 ] وجه رواية الحسن: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع بينهما في حديث عائشة - رضي الله عنها - ولا محمل له سوى حالة الانفراد; ولهذا كان عمل الأمة على هذا; وما كان الله ليجمع أمة محمد - عليه السلام - على ضلالة.




                                                الخدمات العلمية