الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                1637 1638 1639 1640 ص: قيل لهم: إن هذا الحديث قد اختلف فيه، فرواه قوم هكذا، ورواه آخرون على غير ذلك.

                                                حدثنا إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة، قالا: ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي وبكر بن سوادة الجذامي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا قضى الإمام الصلاة فقعد فأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته، فلا يعود فيها".

                                                قال أبو جعفر -رحمه الله-: فهذا معناه غير معنى الحديث الأول، وقد روي هذا الحديث أيضا بلفظ غير هذا:

                                                [ ص: 540 ] حدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا معاذ بن الحكم ، قال: ثنا سفيان الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ... ، فذكر مثل حديث أبي بكرة، ، عن أبي داود، ، عن ابن المبارك. .

                                                قال معاذ: فلقيت عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، فحدثني به عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة، فقلت له: لقيتهما جميعا؟ فقال: كلاهما حدثني به، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله - عليه السلام - قال: "إذا رفع المصلي رأسه من آخر صلاته وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته، فلا يعود لها".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي قيل لهؤلاء القوم -الذين ذهبوا إلى أن من رفع رأسه في آخر سجدة في صلاته فقد تمت صلاته وإن لم يتشهد ولم يسلم، واحتجوا على ذلك بحديث عبد الله بن عمرو-: إن هذا الحديث قد اختلفت فيه الناس، فرواه قوم هكذا أي كما ذكرنا في رواية أبي بكرة عن أبي داود الطيالسي، ورواية يزيد بن سنان ، ومحمد بن عباس اللؤلؤي ، عن معاذ بن الحكم، ورواه آخرون وهم: علي بن شيبة وإبراهيم بن منقذ العصفري ويزيد بن سنان القزاز على غير ذلك، أي على غير الوجه الذي رواه أولئك القوم.

                                                والحاصل أن هذا جواب عن الحديث المذكور بأنه مضطرب، فلا يقوم به الاحتجاج.

                                                وكذا قال الترمذي: وقد اضطربوا في إسناده.

                                                فالذي يفهم من كلام الطحاوي أن علة الحديث عنده كونه مضطربا، ولهذا لم يستدل بما رواه يزيد بن سنان ، عن معاذ بن الحكم ، عن الثوري ... إلى آخره لأصحابنا فيما ذهبوا إليه من أن المصلي إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته، واستدل لهم على ذلك بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى; لأنه سالم من الاضطراب.

                                                وغير الطحاوي أجاب عن الحديث المذكور بأنه ضعيف معلول بالإفريقي، فقال الدارقطني: عبد الرحمن بن زياد ضعيف لا يحتج به. وقال عبد الرحمن بن [ ص: 541 ] أبي حاتم: هذا الحديث منكر، سمعت أبي يقول ذلك. وقال البخاري: عبد الرحمن بن رافع التنوخي رواه، وفي حديثه مناكير. وقال الذهبي: في إسناده الإفريقي وهو واه. وقال البيهقي: هذا الحديث ضعيف، وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم، وقال الخطابي: هذا حديث ضعيف، وقد تكلم الناس في بعض نقلته، وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم، ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره; لأن أصحاب الرأي لا يرون أن صلاته قد تمت بنفس القعود حتى يكون ذلك بقدر التشهد على ما رووه عن ابن مسعود - رضي الله عنه -، ثم لم يقووا قولهم في ذلك; لأنهم قالوا: إذا طلعت عليه الشمس، أو كان متيمما فرأى الماء وقد قعد مقدار التشهد قبل أن يسلم فقد فسدت صلاته، وقالوا فيمن قهقه بعد الجلوس قدر التشهد: لا ينتقض الوضوء إلا أن يكون في صلاة، والأمر في اختلاف هذه الأقاويل ومخالفتها الحديث بين.

                                                قلت: نعم، الحديث مضطرب على ما أشار إليه الطحاوي، ولكن كلام الخطابي كله مدخول فيه، أما عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وإن كان ضعفه البعض فقد وثقه آخرون، فقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: يحتج بحديث الإفريقي؟ قال: نعم. قلت: صحيح الكتاب؟ قال: نعم. وقال أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين ، عن أحمد بن صالح قال مرة: من يتكلم في ابن أنعم فليس بمقبول، ابن أنعم من الثقات. وقال عباس بن محمد: سمعت ابن معين يقول: ليس به بأس. وقال إسحاق بن راهويه: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: هو ثقة. وقال البخاري: روى عنه الثوري. وقال عبد الرحمن: ليس به بأس. وقال [الترمذي] : رأيت محمد بن إسماعيل يقوي أمره يقول: هو مقارب الحديث.

                                                [ ص: 542 ] وقوله: "وقد عارضته الأحاديث التي فيها إيجاب التشهد والتسليم" غير مسلم; لأن الاستدلال على فرضية السلام بقوله: "وتحليلها التسليم" غير صحيح على ما ذكرنا، ولأنه ليس فيه نفي التحليل بغير التسليم، إلا أنه خص التسليم لكونه واجبا، وبهذا يدفع كلام البيهقي أيضا: "وإن صح فإنما كان قبل أن يفرض التسليم"، ولأنه مجرد دعوى لا دليل عليها.

                                                وقوله: "ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بظاهره ... " إلى آخره غير صحيح; لأن عطاء بن أبي رباح وابن المسيب والحسن البصري وقتادة ذهبوا إلى ذلك، وأخذوا بظاهره كما بيناه، وأيضا فإن أبا يوسف ومحمدا من أصحابنا قالا به.

                                                وليس المراد من قوله في الحديث: "وقعد" نفس القعود بل المراد القعود قدر التشهد كما فسره في حديث روي عن عطاء عن ابن عباس كما نذكره عن قريب.

                                                وقوله: "لأنهم قالوا: إذا طلعت الشمس ... " إلى آخره، غير صحيح أيضا; لأن بطلان الصلاة في هذه الصورة عند أبي حنيفة بناء على أن الخروج من الصلاة بفعل المصلي فرض، وليس لهذا تعلق بالحديث المذكور عند أبي حنيفة، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يريان بطلان الصلاة في هذه الصور بهذا الحديث. فافهم.

                                                ثم الحديث الذي رواه عن إبراهيم بن منقذ وعلي بن شيبة، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ ... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود أيضا: ثنا أحمد بن يونس، نا زهير، نا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة ، عن عبد الله بن عمرو: "أن رسول الله - عليه السلام - قال: إذا قضى الإمام الصلاة وقعد فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته، ومن كان خلفه ممن أتم الصلاة".

                                                قوله: "إذا قضى الإمام الصلاة" معناه إذا فرغ منها وقعد في آخرها، فأحدث قبل أن يتكلم فقد تمت صلاته; لأنه لم يبق عليه شيء من الفرائض.

                                                [ ص: 543 ] وفيه حجة على من يرى التسليم فرضا، وحجة لأصحابنا في المصلي إذا سبقه الحدث بعد ما قعد قدر التشهد، لا يضر ذلك صلاته فيقوم ويتوضأ ويسلم لأنه لم يبق عليه إلا التسليم، فيأتي به.

                                                وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته; لأنه لم يبق عليه شيء من الأركان.

                                                ومما يؤيد ذلك ما رواه أبو نعيم الأصبهاني في كتاب "الحلية" : في ترجمة عمر بن ذر: حدثنا محمد بن المظفر، ثنا صالح بن أحمد، ثنا يحيى بن مخلد المفتي، ثنا عبد الرحمن بن الحسن أبو مسعود الزجاج ، عن عمر بن ذر ، عن عطاء ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا فرغ من التشهد أقبل علينا بوجهه وقال: من أحدث بعد ما فرغ من التشهد فقد تمت صلاته".

                                                وما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" : ثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث، عن علي - رضي الله عنه - قال: "إذا جلس الإمام في الرابعة ثم أحدث فقد تمت صلاته، فليقم حيث شاء".

                                                قوله: "وقد روى هذا الحديث" أراد به حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه إبراهيم بن منقذ، ثم بين هذه الرواية بقوله: "حدثنا يزيد بن سنان ... إلى آخره".

                                                قوله: "فذكر مثل حديث أبي بكرة عن أبي داود" أي ذكر يزيد بن سنان في حديثه في هذه الرواية مثل حديث أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن عبد الله بن المبارك .

                                                قوله: "قال معاذ" أي معاذ بن الحكم المذكور.

                                                [ ص: 544 ] وأخرجه الترمذي أيضا، وقال: ثنا أحمد بن محمد، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، أن عبد الرحمن بن رافع وبكر بن سوادة أخبراه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "إذا أحدث -يعني الرجل- وقد جلس في آخر صلاته قبل أن يسلم، فقد جازت صلاته".




                                                الخدمات العلمية