الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وما أفسدت من الزرع والشجر ليلا ) يعني ( يضمنه ربها ) [ ص: 240 ] وهذا بلا نزاع . لكن ظاهر كلام المصنف : الضمان ، سواء انفلتت باختياره ، أو بغير اختياره . وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله . نقلها جماعة ، منهم ابن منصور ، وابن هانئ . وقطع به المصنف . قال ابن منجا في شرحه : صرح به المصنف في المغني ، وغيره من الأصحاب . انتهى . وقدمه في الفائق . قال الزركشي : كذا قال جماعة من الأصحاب . منهم القاضي في الجامع الصغير ، والشريف ، وأبو الخطاب في خلافيهما ، والشيرازي ، وابن البنا ، وابن عقيل في التذكرة ، وغيرهم . انتهى . والصحيح من المذهب : أنه لا يضمن إذا لم يفرط . قدمه في المحرر ، والفروع . وقال : جزم به جماعة . قال ابن منجا : وكلامه هنا مشعر به . لأنه عطفه على ضمان ما جنت يدها أو فمها ، بعد اشتراط كونها في يد إنسان موصوف بما ذكر . انتهى . قال الحارثي : إنما يضمن إذا فرط . أما إذا لم يفرط : فإنه لا يضمن . قاله القاضيان أبو يعلى ، وابنه الحسين وابن عقيل ، والقاضي يعقوب ، والسامري ، والمصنف في الكافي ، وغيرهم . قال في الفائق : ولو كسرت الباب أو فتحته : فهدر . ولو فتحه آدمي : ضمن .

تنبيه : قوله " وما أفسدت من الزرع والشجر ليلا يضمنه ربها " خصص الضمان بالأمرين . وهكذا قال في الشرح ، والنظم ، وجماعة . قال في الفروع : جزم به المصنف ولعله . أراد في هذا الكتاب . وذكره أيضا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله . وجزم في المغني ، و الوجيز : أنه لا يضمن سوى الزرع . فقال في المغني : إن أتلفت غير الزرع : لم يضمن مالكها ، نهارا كان إتلافها أو ليلا . [ ص: 241 ] قال الحارثي ، وابن منجا : ولم أجده لأحد غيره . انتهيا . قلت : هو ظاهر كلام الخرقي . لاقتصاره عليه . والصحيح من المذهب : أنه يضمن جميع ما أتلفته مطلقا . قال الحارثي : وكافة الأصحاب على التعميم لكل مال . بل منهم من صرح بالتسوية بين الزرع وغيره . منهم القاضي في المجرد ، والسامري في المستوعب . قال ابن منجا في شرحه : خص المصنف الحكم بالزرع والشجر . وليس كذلك عند الأصحاب . انتهى . وقدمه في الفروع . وقال : نص عليه . وجزم به جماعة . انتهى . وقدمه في الفائق أيضا . وقال في الواضح : يضمن ما أتلفت ليلا من سائر المال ، بحيث لا ينسب واضعه إلى تفريط .

فائدة : لو ادعى صاحب الزرع : أن غنم فلان نفشت ليلا ، ووجد في الزرع أثر غنم : قضي بالضمان على صاحب الغنم . نص عليه في رواية ابن منصور . وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال . وجعلها معتبرة كالقيافة في الأنساب . قاله في القاعدة الثالثة عشر . ويتخرج وجه : لا يكتفى بذلك . قلت : ومحل الخلاف إذا لم يكن هناك غنم لغيره . قوله ( ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهارا ) . ظاهره : سواء أرسلها بقرب ما تفسده عادة أو لا . وهو أحد القولين . وهو ظاهر كلامه في الهداية ، والمذهب والخلاصة ، وجماعة . وقدمه في الفروع . قال الحارثي : وهو الحق . وهو ظاهر كلام الأكثرين من أهل المذهب . وصرح به المصنف في المغني . [ ص: 242 ] وقال القاضي ، وجماعة من الأصحاب : لا يضمن إلا أن يرسلها بقرب ما تتلفه عادة ، فيضمن . وذكره الحارثي ، وغيره رواية . وجزم به في المحرر ، والنظم ، والوجيز ، والفائق ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والزركشي . قلت : وهو الصواب . وقاله القاضي في موضع . نقله الزركشي .

فوائد : الأولى : قال الحارثي : لو جرت عادة بعض النواحي بربطها نهارا وبإرسالها وحفظ الزرع ليلا : فالحكم كذلك . لأن هذا نادر . فلا يعتبر به في التخصيص .

الثانية : إرسال الغاصب ونحوه : موجب للضمان ، نهارا كان أو ليلا . وإرسال المودع : كإرسال المالك في انتفاء الضمان . قاله الحارثي أيضا . والمستعير ، والمستأجر كذلك . ولو استأجر أجيرا لحفظ دوابه ، فأرسلها نهارا فكذلك . اللهم إلا أن يشترط الكف عن الزرع ، فيضمن . فهو كاشتراط المالك على المودع ضبطها نهارا .

الثالثة : لو طرد دابة من مزرعته : لم يضمن ما جنت ، إلا أن يدخلها مزرعة غيره ، فيضمن . وإن اتصلت المزارع : صبر ، ليرجع على صاحبها . ولو قدر أن يخرجها ، وله منصرف غير المزارع فتركها : فهدر .

الرابعة : الحطب الذي على الدابة . إذا خرق ثوب آدمي بصير عاقل ، يجد منحرفا : فهو هدر . وكذلك لو كان مستدبرا ، وصاح به منبها له ، وإلا ضمنه فيهما . ذكره في الترغيب . واقتصر عليه في الفروع .

الخامسة : لو أرسل طائرا فأفسده ، أو لقط حبا : فلا ضمان . قاله الشيخ الموفق في المغني ، والحارثي . [ ص: 243 ] وقيل : يضمن مطلقا . وهو الصحيح . صححه ابن مفلح في الآداب . وضعف الأول . وكذلك صححه ابن القيم في الطرق الحكمية . ولم يذكرها في الفروع .

التالي السابق


الخدمات العلمية