الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
1054 - " أشد الناس بلاء؛ الأنبياء؛ ثم الأمثل؛ فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبا؛ اشتد بلاؤه؛ وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه؛ فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " ؛ (حم خ ن هـ)؛ عن سعد ؛ (صح).

التالي السابق


(أشد الناس بلاء) ؛ أي: محنة؛ ويطلق على المنحة؛ لكن المراد هنا بقرينة السياق: المحنة؛ فإن أصله: الاختبار؛ لكن لما كان اختبار الله (تعالى) لعباده تارة بالمحنة؛ وتارة بالمنحة؛ أطلق عليهما؛ (الأنبياء) ؛ المراد بهم: ما يشمل الرسل؛ وذلك لتتضاعف أجورهم؛ وتتكامل فضائلهم؛ ويظهر للناس صبرهم؛ ورضاهم؛ فيقتدى بهم؛ ولئلا يفتتن الناس بدوام صحتهم؛ فيعبدوهم؛ (ثم الأمثل؛ فالأمثل) ؛ أي: الأشرف؛ فالأشرف؛ والأعلى؛ فالأعلى؛ لأن البلاء في مقابلة النعمة؛ فمن كانت نعمة الله عليه أكثر؛ فبلاؤه أشد؛ ولهذا ضوعف حد الحر على العبد؛ فهم معرضون للمحن والمصائب وطروق المنغصات والمتاعب؛ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ؛ وقال بعضهم: جعل مقام المبتلى يلي مقام النبوة؛ ولم يفصل بين [ ص: 519 ] بلاء الأبدان؛ وبلاء الأعراض؛ فيشمل كل ما يتأذى به الإنسان؛ قال الطيبي: و" ثم" ؛ للتراخي في الرتبة؛ والفاء للتعاقب؛ على سبيل التوالي؛ تنزلا من الأعلى إلى الأسفل؛ وقوله: (يبتلى الرجل) ؛ بيان للجملة الأولى؛ والتعريف في " الأمثل" ؛ للجنس؛ وفي " الرجل" ؛ للاستغراق في الأجناس المتوالية؛ (على حسب دينه) ؛ أي: بقدر قوة إيمانه؛ وشدة إيقانه؛ وضعف ذلك؛ (فإن كان في دينه صلبا) ؛ أي: قويا؛ (اشتد بلاؤه) ؛ أي: عظم للغاية؛ (وإن كان في دينه رقة) ؛ أي: ضعف ولين؛ (ابتلي على قدر دينه) ؛ أي: ببلاء هين لين؛ والبلاء؛ في مقابلة النعمة؛ كما مر؛ ومن ثم قيل لأمهات المؤمنين: يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ؛ (فما يبرح البلاء بالعبد) ؛ أي: الإنسان؛ (حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) ؛ كناية عن سلامته من الذنوب؛ وخلاصه منها؛ كأنه كان محبوسا فأطلق؛ وخلي سبيله؛ فهو يمشي وما عليه بأس؛ ومن ظن أن شدة البلاء هوان بالعبد؛ فقد ذهب لبه؛ وعمي قلبه؛ فقد ابتلي من الأكابر ما لا يحصى؛ ألا ترى إلى ذبح نبي الله يحيى بن زكريا؛ وقتل الخلفاء الثلاثة؛ والحسين ؛ وابن الزبير ؛ وابن جبير ؛ وقد ضرب أبو حنيفة ؛ وحبس؛ ومات بالسجن؛ وجرد مالك ؛ وضرب بالسياط؛ وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه؛ وضرب أحمد ؛ حتى أغمي عليه؛ وقطع من لحمه وهو حي؛ وأمر بصلب سفيان ؛ فاختفى؛ ومات البويطي مسجونا في قيوده؛ ونفي البخاري من بلده؛ إلى غير ذلك مما يطول؟!

(حم خ ت هـ) ؛ وكذا النسائي ؛ (عن سعد) ؛ ابن أبي وقاص ؛ وعزوه إلى البخاري تبع فيه ابن حجر في ترتيب الفردوس؛ قيل: ولم يوجد فيه.



الخدمات العلمية