الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل : [ غزوة حنين ]

ثم غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة حنين إلى هوازن ، خرج إليها من مكة بعد مقامه بها [ ص: 71 ] خمسة عشر يوما ، في يوم السبت السادس من شوال ، في اثني عشر ألفا ، منهم العشرة آلاف الذين فتح بهم مكة ، وألفان من أهل مكة .

وحنين واد إلى جنب ذي المجاز ، بينه وبين مكة ثلاث ليال .

وخرج معه ناس من المشركين ، منهم صفوان بن أمية : لأنه كان في مدة خياره ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعرنا سلاحك فقال : أغصبا يا محمد قال : بل عارية مضمونة مؤداة فقال : ليس بهذا بأس ، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح ، فسأله أن يكفيه حملها ففعل .

وسبب هذه الغزوة : أن هوازن لما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد فتح مكة ، اجتمع أشرافهم وأشراف ثقيف على جمع الناس لمحاربته ، فلما عرف ذلك وقد اجتمعوا " بأوطاس " سار إليهم من مكة حتى نزل بحنين في يوم الثلاثاء ، العاشر من شوال عشاء ، فعبأ أصحابه في السحر وعقد الرايات والألوية في أهلها ، فدفع ألوية المهاجرين إلى ثلاثة : دفع إلى علي بن أبي طالب لواء ، وإلى عمر بن الخطاب لواء ، وإلى سعد بن أبي وقاص لواء ، ودفع ألوية الأنصار إلى ثلاثة : فدفع إلى الحباب بن المنذر لواء ، ودفع إلى سعد بن عبادة لواء ، وإلى أسيد بن حضير لواء ، وفرق في القبائل الألوية يحملها زعماؤهم وعبأ الناس صفوفا ، فقال أبو بكر : لن نغلب اليوم من قلة ، وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين درعين ، ولبس المغفر والبيضة ، وركب بغلته دلدل والشهباء .

فأما هوازن وثقيف فاجتمعوا بأوطاس ، وعلى جميعهم مالك بن عوف النضيري وهو المدبر لهم ، وكان قد أمرهم بحمل ذراريهم وأموالهم ؛ ليحتموا بها ويقاتلوا عنها ، وكان في الناسدريد بن الصمة ، شيخا كبيرا ، لا فضل فيه إلا التيمن برأيه ، وكان يقاد في شجار ، وهو سيد بني جشم ، فقال للناس : في أي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس قال : نعم مجال الخيل : لا حزن ضرس ولا سهل دهس ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ؟ قالوا : ساق مالك بن عوف مع الناس بنسائهم وأبنائهم وأموالهم ، فدعى مالكا ، وقال له : سقت مع الناس بنسائهم وأبنائهم وأموالهم ، وأنه لا ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، فارفعهم إلى علياء بلادهم ، ثم الق [ ص: 72 ] الحرب على متون الخيل ، فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك وقد أحرزت أهلك ومالك ، ولم تفضح قومك ، فلم يطعه مالك بن عوف : فقال دريد بن الصمة : هذا يوم لم أشهده : ولم يفتني :


يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع

ثم التقى الجمعان ، وخرجت الكتائب في غلس الصبح من مضيق الوادي ، وخرج كمين هوازن من شعابه ، فانهزم من المسلمين في أول اللقاء بنو سليم ، ثم تبعهم في الهزيمة أهل مكة ، ثم تبعهم الناس في الهزيمة أفواجا حتى بقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفر من أصحابه وأهل بيته ، العباس بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأبو بكر ، وعمر ، وأسامة بن زيد ، والفضل بن العباس بن عبد المطلب ، وأيمن بن عبيد أخو أسامة من أمه ، وتكلم جفاة أهل مكة حين رأوا الهزيمة بما في نفوسهم من الضغين ، وضرب أبو سفيان بن حرب بأزلام كانت في كنانته ، وقال : قتل محمد وغلبت هوازن ، وقال كلدة بن الحنبل : ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان بن أمية - كان أخاه لأمه - : اسكت فض الله فاك قال : فوالله لأن يربيني رجل من قريش أحب إلي من أن يربيني رجل من هوازن ، وصفوان يومئذ مشرك في شهور خياره ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد انحاز ذات اليمين ، فنادى إلى عباد الله أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله ، أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب : فما رئي في الناس أشجع منه ، وأمر العباس بن عبد المطلب - وكان آخذا بلجام بغلته الشهباء وهو رجل جهير الصوت - أن ينادي في الناس : يا معشر الأنصار ، يا أصحاب السمرة ، يا أهل سورة البقرة ، فأجابه من سمعه : لبيك لبيك ، وتبعوا الصوت : فلما اجتمع منهم مائة رجل استقبلوا الناس ، فاقتتلوا ، وتلاحق بهم الناس ، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كف تراب ألقاه عليهم ، وقال : شاهت الوجوه ( حا ميم ) لا يبصرون واجتلد القوم ، فلما أشرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مجتلدهم قال : الآن حمى الوطيس فولت هوازن منهزمة ، وثبت بعدهم ثقيف : فقتل منهم سبعون رجلا عدة من قتل ببدر ، وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله سلبه فقتل أبو طلحة عشرين [ ص: 73 ] قتيلا أعطاه أسلابهم ، حكاه أنس بن مالك ، وعسكر ناس بأوطاس ، فأنفذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم أبا عامر الأشعري في جيش فهزمهم ، وأدرك دريد بن الصمة في شجاره فقتله : فبرز ابنه سلمة بن دريد مرتجزا يقول :


إن تسألوا عني فإني سلمه     ابن سمادير لمن توسمه
أضرب بالسيف رءوس المسلمه

ورمى أبا عامر بسهم فقتله : فأدركه أبو موسى الأشعري فقتله ، وكان أبو عامر حين رمي بالسهم استخلف على الجيش أبا موسى ووصاه إذا لقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقرئه منه السلام ، وسأله أن يستغفر له ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم اغفر لأبي عامر ، واجعله من أعلى أمتي في الجنة .

وكان أبو عامر قد قتل منهم في يومه بنفسه تسعة مبارزة حتى قتله العاشر : ولما انهزموا لحق مالك بن عوف وهو رئيس القوم بالطائف : فتحصن بها ، وحاز المسلمون السبايا والأموال فكان السبي ستة آلاف رأس ، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير ، والغنم أربعين ألف شاة ، والفضة أربعة آلاف أوقية ، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمل السبي والأموال إلى الجعرانة ، وولى عليه مسعود بن عمرو القارئ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث