الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فإذا تقررت هذه المقدمة ، فصورة مسألتنا : أن يهادنهم على أن يرد عليهم من جاءنا مسلما منهم : فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صالح قريشا في الحديبية على هذا ، فنذكر حكمها في صلحه ثم نذكره في صلحنا .

                                                                                                                                            أما حكمها في صلحه ، فقد كانت هدنته بالحديبية معقودة على هذا أن يرد عليهم من جاءه مسلما منهم ، فجاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو مسلما ، فقال له سهيل : هذا ابني أول من أقاضيك عليه ، فرده إليه ، وقال لأبي جندل : قد تم الصلح بيننا ، وبين القوم فاصبر حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا ، ثم رد بعده عياش بن أبي ربيعة ، وأبا بصير ، فرد هؤلاء الثلاثة من الرجال ، ثم جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة ، فجاء أخواها في طلبها ، عمارة والوليد ابنا عقبة ، وجاءت سعيدة زوجة صيفي بن الراهب مسلمة ، فجاء في طلبها ، وجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة ، فجاء زوجها واسمه مسافر من قومها في طلبها ، وقالوا : يا محمد قد شرطت لنا رد النساء وطين الكتاب لم يجف ، فاردد علينا نساءنا ، فتوقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن [ ص: 357 ] ردهن توقعا لأمر الله تعالى فيهن حتى نزل عليه قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار [ الممتحنة : 10 ] الآية ، والتي بعدها ، فامتنع حينئذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ردهن ومن رد النساء كلهن ، ولم يمتنع من رد الرجال : لوقوع الفرق بين الرجال والنساء من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الرجال أثبت من النساء ، وأقدر على التوبة إن أكرهوا على الكفر .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن النساء ذوات الأزواج يحرمن على أزواجهن من الكفار ، ولا يقدرون على الامتناع منهم والرجال بخلافهن ، فلهذين وقع الفرق في الرد بين الرجال والنساء ، فرد الرجال ، ولم يرد النساء ، والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية