الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه ، كما صنع النبي - صلى الله عليه وسلم - في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن ، فجاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة ، فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما ، وأخبر أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال ، وبهذا قلنا لو أعطى الإمام قوما من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين ، أو مال ، ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم بلا عوض ، وإن ذهب ذاهب إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد أبا جندل بن سهيل إلى أبيه ، وعياش بن أبي ربيعة ، إلى أهله ، قيل أهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرصهم على سلامتهم ، ولعلهم يقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوا بتلف أو عذاب ، وإنما نقموا منهم دينهم فكانوا يشددون عليهم بترك دينهم كرها ، وقد وضع الله المأثم في إكراههم ، أولا ترى أن النساء إذا أريد بهن الفتنة ضعفن ولم يفهمن فهم الرجال ، وكان التقية تسعهن ، وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام عليهن ، قال وإن جاءتنا امرأة مهادنة أو مسلمة من دار الحرب إلى موضع الإمام فجاء سوى زوجها في طلبها منع منها بلا عوض . وإن جاء زوجها ففيها قولان :

                                                                                                                                            أحدهما يعطى ما أنفق وهو ما دفع إليها من المهر .

                                                                                                                                            والآخر لا يعطى ، وقال في آخر الجواب وأشبههما أن لا يعطوا عوضا ( قال المزني : ) هذا أشبه بالحق عندي " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : لا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة قد منع الشرع منها .

                                                                                                                                            فمنها : أن يهادنهم على مال يحمله إليهم ، فهو محظور لما قدمناه .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على خراج يضربونه على بلاد الإسلام .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على رد ما غنم من سبي ذراريهم : لأنها أموال مغنومة .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبي هوازن عليهم .

                                                                                                                                            قيل : إنما ردهم عليهم بعد إسلامهم عن طيب نفس منه تفضلا عليهم ، فخالف التزامه للمشركين عن عقد .

                                                                                                                                            ومنها أن يهادنهم على دخول الحرم أو استيطان الحجاز ، فلا يجوز .

                                                                                                                                            [ ص: 356 ] ومنها : أن يهادنهم على ترك قتالهم على الأبد ، لما فيه من تعطيل الجهاد .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم ، وليس به حاجة إلى مهادنتهم : لقوته عليهم وعدم النفع بمهادنتهم .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم أكثر من عشر سنين ، وإن كان محتاجا إليها .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على إظهار مناكيرهم في بلادنا من صلبانهم وخمورهم وخنازيرهم .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على إسقاط الجزية عمن أقام في دار الإسلام منهم .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على تعشير أموالنا إذا دخلنا إليهم .

                                                                                                                                            ومنها : أن يهادنهم على ألا نستنقذ أسرانا منهم ، فهذه وما شاكلها محظورة ، قد منع الشرع منها ، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة ، فإن شرطت بطلت ، ووجب على الإمام نقضها : لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ردوا الجهالات إلى السنن ، ولا تبطل الهدنة ، وإن كانت شرطا فيها : لأنها ليست كالبيوع من عقود المعاوضات التي تبطل بفساد الشرط : لما يؤدي إليه من جهالة الثمن ، وليست بأوكد في عقود المناكحات التي لا تبطل بفساد المهر ، ولا يلزم الإمام أن يعلمهم بطلان الشروط قبل مطالبتهم بها ، فإن طالبوه بالتزامها أعلمهم حينئذ بطلانها في شرعنا ، وأنه لا يجوز لنا العمل بها .

                                                                                                                                            فإن دعوه إلى نقض الهدنة نقضها ، إلا أن يخاف منهم الاصطلام ، فيجوز للضرورة ، أن يلتزمها ما كان على ضرورته كما قلنا في بذل المال .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية