الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولا يحدثوا في أمصار الإسلام كنيسة ولا مجمعا لصلاتهم ، ولا يظهروا فيها حمل خمر ولا إدخال خنزير " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا قد دخل في جملة القسم الثالث من منكراتهم ، فيمنعوا من إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين ، لما روى مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال : لما صالح عمر بن الخطاب نصارى الشام كتب لهم كتابا ، فذكر فيه أنهم لا يبنون في بلادهم ، ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ، ولا صومعة راهب وأن لا يمنعوا [ ص: 321 ] المارة من المسلمين وأبناء السبيل ، وأن لا يجددوا ما خرب منها - ذكره أبو الوليد في المخرج على كتاب المزني ، ولأن إحداثها معصية ، لاجتماعهم فيها على إظهار الكفر ، ولذلك أبطلنا الوقوف على البيع والكنائس ، وعلى كتب التوراة والإنجيل ، ولأنهم يقتطعون ما بنوه من غير إظهار الإسلام فيها ، ويجب أن يكون الإسلام في دار الإسلام ظاهرا ، فلهذه الأمور الثلاثة منعوا .

                                                                                                                                            فإذا تقرر أن حكم بلاد الإسلام موضوعة على هذا لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : ما أحياه المسلمون .

                                                                                                                                            والثاني : ما فتحوه عنوة .

                                                                                                                                            والثالث : ما فتحوه صلحا .

                                                                                                                                            فأما القسم الأول : وهو ما ابتدأ المسلمون إنشاءه في بلاد الإسلام من موات لم يجر عليه ملك كالبصرة والكوفة ، فلا يجوز أن يصالح لأهل الذمة في نزولها على إحداث بيعة ولا كنيسة فيها : لأنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يمنع منه الشرع ، ويكون خارجا من جملة صلحهم ، وإن تمسكوا فيه بعقد الصلح قيل لهم : إن رضيتم بإبطال هذا منه ، وإلا نقضنا عهدكم ، وبلغناكم مآمنكم ، ولا يبطل أمانهم بنقضنا بعهدهم لأننا نحن نقضناه بما منع الشرع منه .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد نرى في هذه الأمصار بيعا وكنائس كالبصرة والكوفة وبغداد ، وهو مصر إسلامي بناه المنصور .

                                                                                                                                            قلنا : إن علمنا أنها أحدثت وجب هدمها ، وإن علمنا أنها كانت قديمة في المصر قبل إنشائه لأن النصارى قد كانوا يبنون صوامع ، وديارات ، وبيعا في الصحاري ينقطعون إليها ، فتقر عليهم ، ولا تهدم ، وإن أشكل أمرها ، أقرت استصحابا ، لظاهر حالها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية