الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإذا اشترى النصراني مصحفا أو دفترا فيه أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسخته " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : أما المصحف فممنوع من بيعه على المشركين : لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن يسافر بالمصحف مخافة أن تناله أيديهم ، فإذا منعوا من مسه تعظيما لحرمته : كان منعهم من تملكه واستبذاله أولى .

                                                                                                                                            فإن بيع على مشرك كان البيع باطلا قولا واحدا ، وإن كان بيع العبد المسلم على قولين : لأن المصحف لتحريم مسه أغلظ حرمة من العبد الذي لا يحرم مسه .

                                                                                                                                            فأما أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد جمع الشافعي بينها وبين المصحف في المنع من البيع ، وإنما يستويان في المنع ، ويفترقان في البيع ، وإنما منعوا من ابتياع كتب أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صيانة لها من تعرضهم لاستبذالها ، وإن جاز لهم مسها ، فإن ابتاعوها ، فهي ضربان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون فيها سيرته وصفته فابتياعهم لها جائز .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أن يكون فيها كلامه من أوامره ونواهيه ، وأحكامه ، ففي البيع وجهان :

                                                                                                                                            [ ص: 392 ] أحدهما : باطل كالمصحف : لأنهما شرع مصان .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : جائز لقصوره عن حرمة القرآن .

                                                                                                                                            فأما تفسير القرآن ، فهم ممنوعون من ابتياعه كالقرآن ، لاستبداعهم فيه ، وأنهم ربما جعلوه طريقا إلى القدح فيه ، فإن ابتاعوه كان البيع باطلا .

                                                                                                                                            وأما كتب الفقه ، فإن صينت عنهم كان أولى ، وإن بيعت عليهم كان البيع جائزا .

                                                                                                                                            وأما كتب النحو واللغة وأشعار العرب ، فلا يمنعون منها ، ولا تصان عنهم : لأنه كلام لا يتميز بحرمة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية