الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية

                                                                                        ابن حجر العسقلاني - أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        4206 \ 1 - أخبرنا وهب بن جرير بن حازم ، حدثنا أبي ، قال : سمعت محمد بن إسحاق يقول : حدثني جهم بن أبي الجهم ، عن عبد الله بن جعفر ، أو عن من حدثه عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما ، قال : لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت حليمة بنت الحارث في نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن الرضعاء بمكة ، قالت حليمة : فخرجت في أوائل النسوة على أتان لي قمراء ، ومعي زوجي الحارث بن عبد العزى ، أحد بني سعد بن بكر ، ثم أحد بني ناصرة ، قد أدمت أتاننا ، ومعي بالركب شارف ، والله ما تبض بقطرة من لبن في سنة شهباء ، قد جاع الناس حتى خلص إليهم الجهد ، ومعي ابن لي ، والله ما ينام ليلنا ، وما أجد في ثديي شيئا أعلله به ، إلا أنا نرجو الغيث ، وكانت لنا غنم ، فنحن نرجوها ، فلما قدمنا مكة فما بقي منا أحد إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهته ، فقلنا : إنه يتيم ، وإنما يكرم الظئر ويحسن إليها الوالد ، فقلنا : ما عسى أن تصنع بنا أمه أو عمه أو جده ، فكل صواحبي أخذ رضيعا ولم أجد شيئا ، فلما لم أجد غيره رجعت إليه فأخذته ، والله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره ، فقلت لصاحبي : والله لآخذن اليتيم من بني عبد المطلب ، فعسى الله أن ينفعنا به ، ولا أرجع من بين صواحبي ولا آخذ شيئا ، فقال : قد [ ص: 178 ] أصبت ، قالت : فأخذته ، فأتيت به الرحل ، فوالله ما هو إلا أن أتيت به الرحل فأمسيت أفتل ثدياي باللبن حتى أرويته وأرويت أخاه ، وقام أبوه إلى شارفنا تلك يلمسها ، فإذا هي حافل فحلبها ، فأرواني وروي ، فقال : يا حليمة ، تعلمين ، والله لقد أصبت نسمة مباركة ، ولقد أعطى الله تعالى عليهما ما لم نتمن ، قالت : فبتنا بخير ليلة شباعا ، وكنا لا ننام ليلنا مع صبينا ، ثم اغتدينا راجعين إلى بلادنا أنا وصواحبي ، فركبت أتاني القمراء فحملته معي ، فوالذي نفس حليمة بيده لقطعت بالركب ، حتى إن النسوة ليقلن : أمسكي علينا ، أهذه أتانك التي خرجت عليها ؟ فقلت : نعم ، فقالوا : إنها كانت أدمت حين أقبلنا ، فما شأنها ؟ قالت : فقلت : والله لقد حملت عليها غلاما مباركا ، قالت : فخرجنا فما زال يزيدنا الله تعالى في كل يوم خيرا ، حتى قدمنا والبلاد سنة ، فلقد كانت رعاتنا يسرحون ، ثم يريحون ، فتروح أغنام بني سعد جياعا ، وتروح غنمي شباعا بطانا حفلا ، فتحلب ونشرب ، فيقولون : ما شأن غنم الحارث بن عبد العزى وغنم حليمة تروح شباعا حفلا وتروح غنمكم جياعا ، ويلكم اسرحوا حيث تسرح رعاؤكم ، فيسرحون معهم فما تروح إلا جياعا كما كانت ، وترجع غنمي كما كانت ، قالت : وكان صلى الله عليه وسلم يشب شبابا ما يشبه أحد من الغلمان ، يشب في اليوم شباب الغلام في الشهر ، ويشب في الشهر شباب السنة ، فلما استكمل صلى الله عليه وسلم سنتين أقدمناه مكة ، أنا [ ص: 179 ] وأبوه ، فقلنا : والله لا نفارقه أبدا ونحن نستطيع ، فلما أتينا أمه ، قلنا لها : أي ظئر ، والله ما رأينا صبيا قط أعظم بركة منه ، وإنا نتخوف عليه وباء مكة وأسقامها ، فدعيه ، نرجع به حتى تبرئي من دائك ، فلم نزل بها حتى أذنت ، فرجعنا به ، فأقمنا أشهرا ثلاثة أو أربعة ، فبينا هو يلعب خلف البيوت هو وأخوه في غنم لهم ، إذ أتى أخوه يشتد ، وأنا وأبوه في البيت ، فقال : إن أخي القرشي أتاه رجلان عليهما ثياب بيض فأخذاه فأضجعاه فشقا بطنه ، فخرجت أنا وأبوه نشتد ، فوجدناه قائما قد انتقع لونه ، فلما رآنا أجهش إلينا وبكى ، قالت : فالتزمته أنا وأبوه فضممناه إلينا ، فقلنا : ما لك بأبي أنت وأمي ؟ فقال : أتاني رجلان فأضجعاني فشقا بطني فصنع به شيئا ، ثم رداه كما هو ، فقال أبوه : والله ما أرى ابني إلا وقد أصيب ، الحقي بأهله فرديه إليهم قبل أن يظهر به ما يتخوف منه ، قالت : فاحتملناه ، فقدمنا على أمه ، فلما رأتنا أنكرت شأننا ، وقالت : ما رجعكما به قبل أن أسألكماه ، وقد كنتما حريصين على حبسه ؟ فقلنا : لا شيء ، إلا أن الله تعالى قد قضى الرضاعة ، [ ص: 180 ] وسرنا ما ترين ، وقلنا نؤديه كما تحبون أحب إلينا ، قال : فقلت : إن لكما لشأنا ، فأخبراني ما هو ؟ فلم تدعنا حتى أخبرناها ، فقالت : كلا والله لا يصنع الله ذلك به ، إن لابني شأنا ، أفلا أخبركما خبره ؟ إني حملت به فوالله ما حملت حملا قط كان أخف علي منه ولا أيسر منه ، ثم رأيت حين حملته أنه خرج مني نور أضاء منه أعناق الإبل ببصرى ، أو قالت : قصور بصرى ، ثم وضعته حين وضعته ، فوالله ما وقع كما يقع الصبيان ، لقد وقع معتمدا بيده على الأرض رافعا رأسه إلى السماء ، فدعاه عنكما ، فقبضته وانطلقنا .

                                                                                        [ ص: 181 ] [ ص: 182 ] [ ص: 183 ]

                                                                                        4206 \ 2 - أخبرنا يحيى بن آدم ، أنبأنا ابن إدريس ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا جهم بن أبي جهم ، عن عبد الله بن جعفر ، أو عن من حدثه عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما ، قال : قالت حليمة بنت الحارث ، أم رسول الله صلى الله عليه وسلم السعدية : قدمت في نفر من بني سعد بن بكر ، نلتمس الرضعاء بمكة ... فذكر نحوه .

                                                                                        [ ص: 184 ]

                                                                                        4206 \ 3 - وقال أبو يعلى : حدثنا مسروق بن المرزبان ، والحسن بن حماد ، ونسخته من حديث مسروق ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عن جهم ابن أبي الجهم ، عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما ، عن حليمة بنت الحارث ، قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره بطوله .

                                                                                        [ ص: 185 ]

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        الخدمات العلمية