الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وكذا كل مفيد رضا بعد العلم بالعيب يمنع الرد والأرش ، ومنه العرض على البيع إلا الدراهم إذا وجدها زيوفا فعرضها على البيع فليس برضا ; [ ص: 35 ] كعرض ثوب على خياط لينظر أيكفيه أم لا ، أو عرضه على المقومين ليقوم ; ولو قال له البائع أتبيعه قال نعم لزم ; ولو قال لا لا . ; لأن نعم عرض على البيع ولا تقرير لملكه بزازية ( لا ) يكون رضا ( الركوب للرد ) على البائع ( أو لشراء العلف ) لها ( أو للسقي و ) الحال أن المشتري ( لا بد له منه ) أي الركوب لعجز أو صعوبة ، وهل هو قيد للأخيرين أو للثلاثة ؟ استظهر البرجندي الثاني واعتمده المصنف تبعا للدرر والبحر والشمني وغيرهم الأول ; ولو قال البائع ركبتها لحاجتك وقال المشتري بل لأردها فالقول للمشتري بحر . وفي الفتح : وجد بها عيبا في السفر فحملها فهو عذر .

التالي السابق


مطلب فيما يكون رضا بالعيب ويمنع الرد ( قوله بعد العلم بالعيب ) أي علمه بكون ذلك عيبا : ففي الخانية : لو رأى بالأمة قرحة ولم يعلم أنها عيب فشراها ثم علم أنها عيب له ردها ; لأنه مما يشتبه على الناس فلا يثبت الرضا بالعيب . ا هـ . وقدمنا أنه لو كان مما لا يشتبه على الناس كونه عيبا ليس له الرد . وفي نور العين عن المنية قال البائع بعد تمام البيع قبل القبض تعيب المبيع فاتهمه المشتري في إخباره ويقول : إن غرضه أن أرد عليه فقبضه المشتري لا يكون رضا بالعيب ولا تصرفه إذا لم يصدقه ، لكن الاحتياط أن يقول له : لا أعلم بذلك وأنا لا أرضى بالعيب ، فلو ظهر عندي أرده عليك . ا هـ ( قوله والأرش ) أي نقصان العيب ( قوله ومنه العرض على البيع ) ولو بأمر البائع ، بأن قال له : اعرضه على البيع ، فإن لم يشتر منك رده علي ، ولو طلب من البائع الإقالة فأبى فليس بعرض فله الرد ولو عرض بعض المبيع على البيع أو قال رضيت ببعضه بطل خيار الرؤية وخيار العيب جامع الفصولين وقدمنا عن الذخيرة أن قبض المبيع بعد العلم بالعيب رضا بالعيب . وفي جامع الفصولين : قبض بعضه رضا ثم نقل ليس برضا حتى يسقط خياره عند أبي يوسف . ا هـ

قلت : وهذا في غير المثلي لما في البحر عن البزازية : لو عرض نصف الطعام على البيع لزمه النصف ويرد للنصف كالبيع . ا هـ وسيذكر الشارح الكلام في الاستخدام .

[ تتمة ] نقل في البحر : من جملة ما يدل على الرضا بالعيب بعد العلم به الإجارة والعرض عليها والمطالبة بالغلة والرهن والكتابة ، أما لو آجره ثم علم بالعيب فله نقضها للعذر ويرده ، بخلاف الرهن فلا يرده إلا بعد الفكاك ، ومنه إرسال ولد البقرة عليها ليرتضع منهما وحلب لبنها أو شربه ، وهل يرجع بالنقصان ؟ قولان ، وابتداء سكنى الدار لا الدوام عليها ، وسقي الأرض وزراعتها ، وكسح الكرم ، والبيع كلا أو بعضا ، والإعتاق ، والهبة لو بلا تسليم ; لأنها أقوى من العرض ، ودفع باقي الثمن ، وجمع غلات الضيعة ، وكذا تركها ; لأنه تضييع ، وليس منه أكل ثمر الشجر وغلة القن والدار وإرضاع الأمة ولد المشتري وضرب العبد إن لم يؤثر الضرب فيه . ا هـ ملخصا .

وفي الذخيرة إذا أطلاه بعد رؤية العيب أو حجمه أو جز رأسه فليس برضا ثم ذكر تفصيلا في الحجامة بين كونها دواء لذلك العيب فهو رضا وإلا فلا . وفيها : أمر رجلا يبيعه ثم علم أن به عيبا فإن باعه الوكيل بحضرة الموكل ولم يقل شيئا فهو رضا بالعيب ، ( قوله إلا الدراهم إلخ ) ذكر المسألة في الذخيرة وجامع الفصولين وغيرهما ، وسيذكرها الشارح في آخر متفرقات البيوع عن الملتقط ثم إنه ينبغي أن يذكر هنا أيضا ما امتنع رده قبل البيع بزيادة ونحوها ; كما لو لت السويق أو خاط الثوب ثم اطلع على عيب ثم باعه فإن بيعه بعد رؤية العيب لا يكون رضا وله الرجوع بنقصانه كما مر ، فكذا لو عرضه على البيع بالأولى ( قوله فليس برضا ) فلا يمنع الرد [ ص: 35 ] على المشتري ; لأن ردها لكونها خلاف حقه ; لأن حقه في الجياد فلم تدخل الزيوف في ملكه بخلاف المبيع العين فإنه ملكه فالعرض رضا بعيبه بحر ، ومثل ذلك ما لو باعها ثم ردت عليه بلا قضاء فله ردها على بائعه كما قدمه الشارح عند قوله باع ما اشتراه إلخ ، وقدمنا تمام الكلام على ذلك ( قوله كعرض ثوب إلخ ) محترز قوله على البيع ، والتشبيه في عدم الرضا .

( قوله قال نعم ) الأولى فقال : نعم عطفا على قال الأول ( قوله لزم ) جواب لو أي لزم البيع ولا يمكنه رده بالعيب : قال في نور العين : وهذه تصلح حيلة من البائع لإسقاط خيار العيب عن مشتريه ( قوله ولا تقرير لملكه ) لفظ لا مبتدأ وتقرير خبره والضمير في ملكه للبائع كأنه يقول لا أبيعه لكونه ملكك ; لأني أرده عليك وفي البزازية : وينبغي أن يقول بدل قوله نعم إلخ يريد بذلك تنبيه المشتري على لفظ يتمكن به من الرد وهو لفظ لا ويحذره من مانع الرد وهو نعم ط . وبه اندفع توقف المحشي في هذه العبارة ، وكأنه فهم أن قوله وينبغي أن يقول إلخ : أي يقول الناقل لحكم المسألة فيصير المعنى ، ولو قال له البائع أتبيعه فقال لا لزم فينافي ما ذكره الشارح ، وليس كذلك بل ضمير يقول للمشتري : أي ينبغي للمشتري أن يقول لا بدل قوله نعم لئلا يلزم البيع فيكون تحذيرا للمشتري فافهم . ثم إن الذي رأيته في البزازية وغالب نسخ البحر نقلا عنها ، ولا تقرير لمكنته : أي تمكنه من الرد على البائع وعليه فالضمير للمشتري ( قوله الركوب للرد على البائع ) وكذا لو ركبه ليرده فعجز عن البينة فركبه جاثيا فله الرد بحر عن جامع الفصولين : أي له رده بعد ذلك إذا وجد بينة على كون العيب قديما ; لأن ركوبه بعد العجز ليس دليل الرضا ( قوله أو لشراء العلف لها ) فلو ركبها لعلف دابة أخرى فهو رضا كما في الذخيرة ( قوله لعجز أو صعوبة ) أي لعجزه عن المشي أو صعوبة الدابة بكونها لا تنقاد معه ( قوله وهل هو ) أي قوله ولا بد له منه .

( قوله واعتمده المصنف إلخ ) الذي في شرح المصنف والدرر والشمني والبحر جعله قيدا للأخيرين فقط ، ولكن في كثير من النسخ : واعتمد المصنف بلا ضمير وهي الصواب ، فقوله وغيرهم بالجر عطفا على مجرور اللام في قوله تبعا للدرر إلخ ، وقوله الأول بالنصب مفعول اعتمده أما على نسخة اعتمده بالضمير يكون قوله وغيرهم مرفوعا والتقدير واعتمد غيرهم الأول ، ومشى في الفتح على الأول وفي الذخيرة على الثاني قال : ويدل له ما ذكره محمد في السير الكبير أن جوالق العلف لو كان واحدا فركب لا يكون رضا ; لأنه لا يمكن حمله إلا بالركوب ، بخلاف ما إذا كان اثنين . ا هـ لكن قال في الفتح : إن العذر المذكور في السقي يجري فيما إذا كان العلف في عدلين فلا ينبغي إطلاق امتناع الرد فيه . ا هـ ، وبقي قول ثالث هو ظاهر الكنز أنه غير قيد في الثلاثة ، وظاهر الزيلعي اعتماده حيث عبر عن القولين بقيل وفي الشرنبلالية عن المواهب : الركوب للرد أو للسقي أو لشراء العلف لا يكون رضا مطلقا في الأظهر . ا هـ فافهم ( قوله فالقول للمشتري ) ; لأن الظاهر يشهد له ط وكذا لو قال ركبتها للسقي بلا حاجة ; لأنها تنقاد وهي ذلول ينبغي أن يسمع قول المشتري ; لأن الظاهر أن مسوغ الركوب بلا إبطال الرد هو خوف المشتري من شيء مما ذكرنا لا حقيقة الجموح والصعوبة ، والناس يختلفون في تخيل أسباب الخوف ، فرب رجل لا يخطر بخاطره شيء من تلك الأسباب وآخر بخلافه كذا في الفتح ( قوله فهو عذر ) قال في الشرنبلالية [ ص: 36 ] بعد نقله : ويخالفه ما في البزازية : لو حمل عليه فاطلع على عيب في الطريق ، ولم يجد ما يحمله عليه لو ألقاه في الطريق يتلف لا يتمكن من الرد وقيل يتمكن قياسا على ما إذا حمل عليه علفه .

قلت : الفرق واضح ، فإن علفه مما يقومه ، إذ لولاه لا يبقى ، ولا كذلك العدل فكان من ضرورة الرد . ا هـ ما في البزازية ، وهذا يفيد أن ما في الفتح ضعيف . ا هـ ط .

قلت : وذكر الفرق أيضا في جامع الفصولين ، ويؤيده ما في الذخيرة عن السير الكبير اشترى دابة في دار الإسلام وغزا عليها فوجد بها عيبا في دار الحرب ينبغي له أن لا يركبها ; لأن الركوب بعد العلم بالعيب رضا منه فلا يتمكن من ردها فليحترز منه وإن لم يجد دابة غيرها ; لأن العذر الذي له غير معتبر فيما يرجع إلى البائع ، والركوب لحاجته دليل الرضا . ا هـ ملخصا . وحاصله أن الركوب دليل الرضا وإن كان لعذر ; لأن عذره ألزمه الرضا بالعيب ; لأنه يعتبر في حق البائع ; وأنت خبير بأن هذا مخالف للقول الثالث الذي اعتمده الزيلعي وغيره كما قدمناه آنفا . وقد يجاب بأن العذر في ركوبها للسقي والعلف وإنما هو لحق البائع إذ فيه حياتها بخلاف العذر في مسألة السير الكبير والتي قبلها .




الخدمات العلمية