الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 435 ] ( بخلاف كتاب الأمان ) في دار الحرب ( حيث لا يحتاج إلى بينة ) لأنه ليس بمعلوم وفي الأشباه : لا يعمل بالخط إلا في مسألة كتاب الأمان ويلحق به البراءات [ ص: 436 ] ودفتر بياع وصراف وسمسار وجوزه محمد لراو وقاض وشاهد [ ص: 437 ] إن تيقن به قيل وبه يفتى .

التالي السابق


( قوله بخلاف كتاب الأمان ) معناه إذ جاء الكتاب من ملكهم بطلب الأمان بحر عن العناية .

( قوله لأنه ليس بملزم ) لأن له أن لا يعطيهم الأمان بخلاف كتاب القاضي ، فإنه يجب على القاضي المكتوب إليه أن ينظر فيه ويعمل به ولا بد للملزم من الحجة وهي البينة فتح .

[ فرع ] لو مرض شهود الكتاب في الطريق أو الرجوع إلى بلدهم أو السفر إلى بلدة أخرى فأشهدوا قوما على شهادتهم جاز وتمامه في الخانية .

مطلب لا يعمل بالخط ( قوله لا يعمل بالخط ) عبارة الأشباه لا يعتمد على الخط ، ولا يعمل بمكتوب الوقف الذي عليه خطوط القضاة الماضين إلخ قال البيري : المراد من قوله لا يعتمد : أي لا يقضي القاضي بذلك عند المنازعة ، لأن الخط مما يزور ويفتعل كما في مختصر الظهيرية وليس منه ما في دواوين القضاء إلى آخر ما قدمناه أول القضاء عند قوله فإذا تقلد طلب ديوان قاض قبله فراجعه .

( قوله ويلحق به البراءات ) عبارة الأشباه ويمكن إلحاق البراءات السلطانية المتعلقة بالوظائف إن كانت العلة أنه يعني كتاب الأمان لا يزور وإن كانت العلة الاحتياط في الأمان لحقن الدم فلا .

أقول : يجب المصير إلى الأخير سائحاني أي لإمكان التزوير بل قد وقع كما ذكره الحموي وحينئذ فلا يصح الإلحاق ولكن قد علمت أن العلة في كتاب الأمان أنه غير ملزم وقدمنا أول القضاء استظهار كون علة العمل بما له رسوم في دواوين القضاة الماضين هي الضرورة وهنا كذلك فإنه يتعذر إقامة البينة على ما يكتبه السلطان من البراءات لأصحاب الوظائف ونحوهم وكذا منشور القاضي والوالي وعامة الأوامر السلطانية مع جريان العرف والعادة بقبول ذلك بمجرد كتابته ، وإمكان تزويرها على السلطان لا يدفع ذلك ، لأنه وإن وقع فهو أمر نادر فلما يقع وهو أندر من إمكان تزوير الشهود وهو أولى بالقبول من دفتر الصراف ونحوه فإنهم عملوا به للعرف كما يأتي .

مطلب في العمل بما في الدفاتر السلطانية

وذكر العلامة البعلي في شرحه على الأشباه أن للشارح العلامة الشيخ علاء الدين رسالة حاصلها بعد نقله ما في الأشباه : وأن ابن الشحنة وابن وهبان جزما بالعمل بدفتر الصراف ونحوه لعلة أمن التزوير كما جزم به البزازي والسرخسي وقاضي خان قال إن هذه العلة في الدفاتر السلطانية أولى : كما يعرفه من شاهد أحوال أهاليها حين نقلها إذ لا تحرر أولا إلا بإذن السلطان ثم بعد اتفاق الجم الغفير على نقل ما فيها من غير تساهل بزيادة أو نقصان تعرض على المعين لذلك فيضع خطه عليها ثم تعرض على المتولي لحفظها المسمى بدفتر أميني فيكتب عليها ثم تعاد أصولها إلى أمكنتها المحفوظة بالختم فالأمن من التزوير مقطوع به وبذلك كله يعلم جميع أهل الدولة والكتبة فلو وجد في الدفاتر أن المكان الفلاني وقف على المدرسة الفلانية مثلا يعمل به من غير بينة وبذلك يفتي مشايخ الإسلام كما هو مصرح به في بهجة عبد الله أفندي وغيرها فليحفظ ا هـ . قلت : ويؤيده العمل بما في دواوين القضاة الماضين وكأن مشايخ الإسلام المولين في الدولة العثمانية أفتوا بما [ ص: 436 ] ذكر إلحاقا للدفاتر السلطانية بدواوين القضاة المذكورة لاتحاد العلة فيهما والله سبحانه أعلم لكن قدمنا في الوقف عن الخيرية أنه لا يثبت الوقف بمجرد وجوده في الدفتر السلطاني .

مطلب في دفتر البياع والصراف والسمسار .

( قوله ودفتر بياع وصراف وسمسار ) عطف على كتاب الأمان فإن هذا منصوص عليه لا ملحق به فقد قال في الفتح من الشهادات : أن خط السمسار والصراف حجة للعرف الجاري به ا هـ قال البيري : هذا الذي في غالب الكتب حتى المجتبى فقال في الإقرار : وأما خط البياع والصراف والسمسار فهو حجة وإن لم يكن مصدرا معنونا يعرف ظاهرا بين الناس وكذا ما يكتب الناس فيما بينهم يجب أن يكون حجة للعرف ا هـ وفي خزانة الأكمل صراف كتب على نفسه بمال معلوم وخطه معلوم بين التجار وأهل البلد ثم مات فجاء غريم يطلب المال من الورثة وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه يحكم بذلك في تركته إن ثبت أنه خطه وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة ا هـ قال العلامة العيني : والبناء على العادة الظاهرة واجب فعلى هذا إذا قال البياع وجدت في يادكاري بخطي أو كتبت في يادكاري بيدي أن لفلان علي ألف درهم كان هذا إقرارا ملزما إياه .

أقول : ويزاد أن العمل في الحقيقة إنما هو لموجب العرف لا بمجرد الخط والله أعلم وبهذا عرف أن قولهم فيما إذا ادعى رجل مالا وأخرج بالمال خطا وادعى أنه خط المدعى عليه فأنكر كون الخط خطه فاستكتب فكتب وكان بين الخطين مشابهة ظاهرة تدل على أنهما خط كاتب واحد اختلف فيه المشايخ والصحيح أنه لا يقضى بذلك فإنه لو قال هذا خطي وليس علي هذا المال كان القول قوله يستثنى منه ما إذا كان الكاتب سمسارا أو صرافا أو نحو ذلك ممن يؤخذ بخطه كذا في قاضي خان ا هـ كلام البيري .

قلت : ويستثنى منه أيضا ما قدمناه أول الباب من كتابة القاضي إلى الأمير الذي ولاه وكذا ما سيذكره الشارح عن شرح الوهبانية والملتقط ، وهو ما إذا كان على وجه الرسالة مصدرا معنونا ا هـ وهو أن يكتب في صدره من فلان إلى فلان على ما جرت به العادة ، فهذا كالنطق فلزم حجة كما في الملتقى والزيلعي من مسائل شتى آخر الكتاب ، ومثله في الهداية والخانية ، وهذا إذا اعترف أن الخط خطه فإنه يلزمه ما فيه وإن أنكر أن يكون في ذمته ذلك المال بخلاف ما إذا لم يكن مصدرا معنونا كما هو صريح الخانية وهذا ذكروه في الأخرس وذكر في الكفاية آخر الكتاب عن الشافعي أن الصحيح مثل الأخرس فإذا كان مستبينا مرسوما وثبت ذلك بإقراره أو ببينة فهو كالخطاب ا هـ ومقتضى كلامهم اختصاص ذلك بكونه على وجه الرسالة إلى الغائب وهو أيضا مفاد كلام الفتح في الشهادات فراجعه لكن في شهادات البحر عن البزازية ما يدل على أنه لا فرق في المعنون بين كونه لغائب أو لحاضر ومثله ما في فتاوى قارئ الهداية إذا كتب على وجه الصكوك يلزمه المال وهو أن يكتب يقول فلان الفلاني إن في ذمتي لفلان الفلاني كذا وكذا فهو إقرار يلزم وإن لم يكتب على هذا الرسم فالقول قوله بيمينه ا هـ .

قلت : والعادة اليوم في تصديرها بالعنوان أنه يقال فيها سبب تحريره هو أنه ترتب في ذمة فلان الفلاني إلخ وكذا الوصول الذي يقال فيه وصل إلينا من يد فلان الفلاني كذا ومثله ما يكتبه الرجل في دفتره مثل قوله : علم بيان الذي في ذمتنا لفلان الفلاني ، فهذا كله مصدر معنون جرت العادة بتصديره بذلك ، وهو مفاد كلام قارئ الهداية المذكور ، فمقتضاه أن هذا كله إذا اعترف بأنه خطه يلزمه وإن لم يكن مصدرا معنونا لا يلزمه إذا أنكر المال ، وإن اعترف بكونه كتبه بخطه إلا إذا كان بياعا أو صرافا أو سمسارا لما في الخانية : وصك الصراف والسمسار [ ص: 437 ] حجة عرفا ا هـ فشمل ما إذا لم يكن مصدرا معنونا وهو صريح ما مر عن المجتبى وما إذا لم يعترف بأنه خطه كما هو صريح ما مر عن الخزانة . ثم إن قول المجتبى ، وكذا ما يكتب الناس فيما بينهم إلخ يفيد عدم الاقتصار على الصراف والسمسار والبياع ، بل مثله كل ما جرت العادة به فيدخل فيه ما يكتبه الأمراء والأكابر ونحوهم ممن يتعذر الإشهاد عليهم ، فإذا كتب وصولا أو صكا بدين عليه ، وختمه بخاتمه المعروف ، فإنه في العادة يكون حجة عليه بحيث لا يمكنه إنكاره ، ولو أنكره بعد بين الناس مكابرا فإذا اعترف بكونه خطه وختمه ، وكان مصدرا معنونا فينبغي القول بأنه يلزمه ، وإن لم يعترف به ، أو وجد بعد موته فمقتضى ما في المجتبى أنه يلزمه أيضا عملا بالعرف كدفتر الصراف ونحوه ومثله ما إذا وجد في صندوقه مثلا صرة دراهم مكتوب عليها هذه أمانة فلان الفلاني فإن العادة تشهد بأنه لا يكتب بخطه ذلك على دراهمه ،

ثم اعلم أن هذا كله فيما يكتبه على نفسه كما قيده بعض المتأخرين ، وهو ظاهر بخلاف ما يكتبه لنفسه ، فإنه لو ادعاه بلسانه صريحا لا يؤخذ خصمه به فكيف إذا كتبه ولذا قيده في الخزانة بقوله كتب على نفسه كما مر وذكر في شرح الوهبانية أئمة بلخ قالوا يادكار البياع حجة لازمة عليه ، فإن قال البياع وجدت بخطي أن علي لفلان كذا لزم قال السرخسي ، وكذا خط السمسار والصراف ا هـ فقوله إن علي لفلان إلخ صريح في ذلك ، وأما قول ابن وهبان في تعليل المسألة لأنه لا يكتب إلا ما له وعليه ، فمراده أن البياع ونحوه لا يكتب في دفتر شيئا على سبيل التجربة للخط أو اللغو واللعب بل لا يكتب إلا ما له أو عليه ولا يلزم من هذا أن يعمل بكتابته في الذي له كما لا يخفى ، خلافا لمن فهم منه ذلك ويجب تقييده أيضا بما إذا كان دفتره محفوظا عنده . فلو كانت كتابته فيما عليه في دفتر خصمه فالظاهر أنه لا يعمل به خلافا لما بحثه ط لأن الخط مما يزور وكذا لو كان له كاتب والدفتر عند الكاتب ، لاحتمال كون الكاتب كتب ذلك عليه بلا علمه ، فلا يكون حجة عليه إذا أنكره أو ظهر ذلك بعد موته وأنكرته الورثة خلافا لمن حكم في عصرنا بذلك لذمي ادعى على ورثة تاجر له كاتب ذمي ودفتر التاجر عند كاتبه الذمي فقد كنت أفتيت بأنه حكم باطل وكون المدعي والكاتب ذميين يقوي شبهة التزوير وأن الكتابة حصلت بعد موت التاجر وتمام الكلام في كتابنا تنقيح الحامدية .

( قوله إن تيقن به ) أي بأنه خط من يروى عنه في الأول وبأنه خط نفسه في الأخيرين ا هـ ح .

( قوله قيل وبه يفتى ) قال في خزانة الأكمل : أجاز أبو يوسف ومحمد العمل بالخط في الشاهد والقاضي والراوي إذا رأى خطه ولم يتذكر الحادثة قال في العيون : والفتوى على قولهما إذا تيقن أنه خطه سواء كان في القضاء أو الرواية أو الشهادة على الصك ، وإن لم يكن الصك في يد الشاهد ، لأن الغلط نادر وأثر التغيير يمكن الاطلاع عليه ، وقلما يشتبه الخط من كل وجه فإذا تيقن جاز الاعتماد عليه توسعة على الناس ا هـ حموي لكن سيذكر الشارح في الشهادات قبيل باب القبول ما نصه : وجوزاه لو في حوزه وبه نأخذ بحر عن المبتغى ا هـ وهذا ما اختاره المحقق ابن الهمام هناك وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى .




الخدمات العلمية