الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        الشرط التاسع عشر: أن لا يحرم الأب إذا كان الموهوب صيدا.

        صورة ذلك: أن يهب شخص لولده صيدا، ثم يحرم بعد ذلك بعمرة أو حج، فهل يصح للأب أن يرجع في تلك الهبة، أو يفوت ذلك عليه بإحرامه؟

        تحرير محل النزاع:

        لا خلاف بين العلماء في أن الهبة إن كانت صيد بحر لا يفوت على الأب الرجوع فيها بالإحرام; لإجماعهم علىإباحة صيد البحر للمحرم; لقوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة .

        وإنما موطن الخلاف بينهم في الهبة إذا كانت صيد بر، هل يملك الرجوع فيها على الولد بالإحرام، أو لا يملك؟ على قولين:

        القول الأول: أنه يملك الرجوع.

        وهذا هو مقتضى مذهب المالكية، والحنابلة في المحرم يرجع الصيد المعيب في خيار العيب; لأنه فسخ، وكذلك ينبغي أن يكون قولهم هنا؛ لأنه فسخ كذلك.

        غير أنهم يرون أن الصيد المعيب يرسله المحرم إن عاد إليه ولا يمسكه، وكذلك ينبغي أن يكون قولهم هنا. [ ص: 166 ]

        وحجته: عموم أدلة جواز رجوع الأب على ولده.

        القول الثاني: أنه لا يملك الرجوع.

        وبه قال الشافعية، ولكنهم جعلوه مؤقتا بالإحرام.

        وهذا القول هو مقتضى مذهب الحنفية; لأنهم يرون أن الأب لا يجوز له أن يرجع في هبته لولده إلا عند الحاجة، والصيد في حال الإحرام لا يصح للأب أن ينتفع به ببيع ولا أكل ولا غير ذلك من أنواع الانتفاع; لأن إضافة التحريم إلى العين تفيد منع الانتفاعات عندهم.

        وحجتهم:

        1- قوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما .

        2- أن الوالد لا يصح إثبات يده على الصيد في حال الإحرام، فلا يملك الرجوع حتى يحل.

        الترجيح:

        يظهر -والله أعلم بالصواب- أن الإحرام لا يمنع الرجوع في صيد البر على الوالد; لأن الفسخ لا يعد تملكا بسبب جديد، ومن ثم فلا يكون داخلا في عموم الآية، ولكن مع ذلك لا يجوز للأب الانتفاع به ما دام محرما حتى يحل. [ ص: 167 ]

        وهذا إذا كان الأب هو الذي صاد ذلك الصيد.

        أما إذا كان لم يصده وإنما صاده شخص آخر وأهداه إليه أو باعه له، فهذا يصح وضع اليد عليه والانتفاع به; لحديث أبي قتادة لما صاد حمار الوحش وهو غير محرم، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة الذين لم يعينوه على الاصطياد أن يأكلوا منه، بل إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكل منه وهو محرم.

        التالي السابق


        الخدمات العلمية