الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
        صفحة جزء
        المطلب الثاني: تعريف المرض في الاصطلاح

        المرض في الاصطلاح: حالة للبدن يزول بها اعتدال الطبيعة.

        والمقصود هنا مرض الموت.

        وقيل في تعريفه: هو المرض الذي يحكم أهل الخبرة بكثرة الموت من مثله، وإن لم يكن غالبا.

        وهو المشهور عند المالكية، وقول عند الشافعية.

        والمراد بالكثرة: أن لا يتعجب من صدور الموت منه، ولو لم يكن غالبا منه.

        ويحترز بذلك من نحو: وجع الضرس، والرمد، ونحو ذلك، فإنه يتعجب من صدور الموت عن مثل ذلك.

        وعن الإمام مالك: "أنه كل مرض أقعد صاحبه عن الدخول والخروج".

        وقيل: هو الذي يخاف منه الموت غالبا.

        وهو قول الحنفية، وبعض المالكية، وبه قال الشافعي. [ ص: 229 ]

        وقيل: هو الذي أضناه المرض، وصار صاحب فراش.

        وهو قول الحنفية.

        وقيل: "ما لا يقدر صاحبه أن يقوم إلا أن يقام".

        وقيل: "إذا كان يخطو ثلاث خطوات من غير أن يستعين بغيره فصحيح، وإلا فمريض".

        وقيل: "أن لا يقدر على الصلاة إلا جالسا".

        وهذه أقوال للحنفية.

        وقيل: هو كل ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت من العمل الصالح كالقولينج، وذات الجنب، والرعاف الدائم، والإسهال المتواتر مع قيام الدم، والسل في انتهائه، والفالج في ابتدائه، والحمى [ ص: 230 ] المطبقة.

        وهو قول عند الشافعية.

        وقال شيخ الإسلام: "ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على الظن الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت ... وإنما الغرض أن يكون سببا صالحا للموت فيضاف إليه، ويجوز حدوثه عنده".

        وأقرب ما يقال: ما يكثر حصول الموت منه، فلا عبرة بما يندر وجود الموت منه.

        وهناك أمراض شاعت في زماننا أشد خطورة من هذه كالسرطان، والإيدز، نسأل الله العافية، وعلى أية حال فإن الفقهاء متفقون على أنه لا بد فيه من تحقيق شرطين:

        الأول: أن يتصل به الموت.

        الثاني: أن يكون المرض مخوفا .

        والأقرب: أن يقال: إن المرجع في معرفة كونه مخوفا أو غير مخوف إلى أهل الخبرة وأهل العلم به، فإن قالوا: بأن هذا المرض مخوف، فتصرف صاحبه تصرف المريض، وإن قالوا: غير مخوف، فتصرفه تصرف الصحيح. [ ص: 231 ]

        فرع: إذا مات المريض بسبب آخر.

        اتفق الفقهاء على أن المرض لا أثر له في التبرع إلا إذا اتصل به الموت، أما لو برئ المريض من مرضه فإن جميع تبرعاته تصبح نافذة وتعتبر صحيحة; لأنها صدرت من الأهل في المحل، ولا مانع من نفاذها.

        ولو مات المريض بسبب آخر في أثناء المرض، كما لو مات بسبب غرق ونحو ذلك، فإن تبرعاته تعتبر صادرة من مريض مرض الموت، فيضاف الموت من حيث الحكم إلى المريض الأصلي بقطع النظر عن السبب الطارئ.

        وإلى هذا ذهب الحنفية، والشافعية والحنابلة.

        ويرى عيسى بن أبان الحنفي أن المريض لو مات بسبب آخر كما مثلنا، فإن تبرعاته تكون نافذة كالصحيح.

        ووجهة نظره: أن مرض الموت ما يكون سببا للموت، ولما مات بسبب آخر علمنا أن مرضه لم يكن مرض الموت.

        وأجيب: بأن الموت اتصل بمرضه حيث لم يصح حتى مات، فكان مرضه مرض الموت، وقد يكون للموت سببان المرض والحادث الطارئ.

        * * * [ ص: 232 ]

        التالي السابق


        الخدمات العلمية