الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 357 ] وأن يؤجل بمعلوم زائد على نصف شهر : كالنيروز ، والحصاد والدراس وقدوم الحاج . [ ص: 358 ] واعتبر ميقات معظمه ، [ ص: 359 ] إلا أن يقبض ببلد : كيومين ، وإن خرج حينئذ [ ص: 360 ] ببر أو بغير ريح . والأشهر بالأهلة ، وتمم المنكسر من الرابع ، وإلى ربيع حل بأوله وفسد فيه على المقول ، لا في اليوم

[ ص: 357 ]

التالي السابق


[ ص: 357 ] وأشار للشرط الثالث من شروط صحة السلم فقال ( وأن يؤجل ) بضم التحتية وفتح الهمز والجيم مشددة السلم فيه ( ب ) أجل ( معلوم ) العاقدين حقيقة أو حكما كالزمن المعتاد لقبض المسلم فيه فلا يحتاج معه لضرب أجل قاله اللخمي ، وهو ظاهر ، لأن العادة كالشرط ، وأقله نصف شهر لاختلاف الأسواق فيه غالبا . وعبر عن هذا بقوله ( زائد على نصف شهر ) لأنه لا تتحقق الخمسة عشر يوما إلا بزيادة عليه ولو يسيرة . " غ " لعله أراد نصف شهر ناقص وإلا فالوجه أن يقول نصف شهر ليوافق النص ا هـ .

البناني في خش تبعا تت ما نصه ظاهره أن نصف الشهر غير كاف مع أنه كاف ، بل وقوع السلم لثلاثة عشر يوما أو اثني عشر يوما أو أحد عشر خلاف الأولى فقط . عج وفيه نظر إذ ليس في قول من الأقوال التي نقلها عن ابن عرفة والشارح ما يوافق قوله خلاف الأولى . طفي وهو ظاهر فإني لم أر من صرح بما ذكره لا في التوضيح ولا ابن عبد السلام ، ولا في المدونة ولا غير ذلك ، وقد استوفى ابن عرفة أقوالها ولم يذكره ولم يذكره الفاكهاني ولا صاحب الجواهر إلا أنه قال خمسة عشر يوما ونحوها ولا صاحب الشامل .

ولما كان التأجيل المعلوم جائزا بحساب العجم إن علمه العاقدان قال ( كالنيروز ) بفتح النون وسكون التحتية وضم الراء آخره زاي أي أول يوم من السنة القبطية وهو أول شهر توت وفي سابعه ولد عيسى عليه الصلاة والسلام ، وأدخلت الكاف المهرجان بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الراء وهو عيد الفرس بضم الفاء رابع عشر شهر بؤونة بفتح الموحدة وضم الهمز تليها نون ولد فيه يحيى عليه الصلاة والسلام .

( و ) يجوز التأجيل بفعل له وقت معلوم ( كالحصاد ) للزرع ( والدراس ) بفتح أولهما وكسره ( وقدوم ) بضم القاف الحاج أي رجوع ( الحاج ) لبلده بعد حجه ، ويجوز التأجيل بالشتاء والصيف سواء عرفا بالحساب أو بشدة الحر والبرد والمعتمد أنه [ ص: 358 ] لا بد من تأخر المذكورات عن يوم العقد خمسة عشر يوما ( واعتبر ) بضم المثناة وكسر الموحدة ( ميقات ) أي وقت حصول ( معظمه ) بضم فسكون ففتح أي أكثر ما ذكر من الحصاد وما بعده عادة ، وإن لم يحصل بالفعل لمانع في المدونة لا بأس بالبيع إلى الحصاد والجداد والعصير أو إلى رفع جرون بئر زرقون لأنه أجل معروف وإن كان للعطاء والنيروز والمهرجان وفصح النصارى وصومهم والميلاد وقت معروف جاز البيع إليه .

عياض الحصاد والجداد بفتح أولهما وكسره ، وجرون بضم الجيم والراء جمع جرين وهو الأندر كذا جاءت الرواية فيه بزيادة واو ، وصوابه جرن بغير واو ، وبئر زرقون بفتح الزاي فسرها في الكتاب بأنها بئر عليها زرع وحصاد . الشيخ أبو الحسن وزرقون المضاف إليه البئر اسمه إبراهيم بن كلي ، والنيروز أول يوم من السنة القبطية والسريانية و العجمية والفارسية ، ومعناه اليوم الجديد وهو عيد الفرس ستة أيام أولها اليوم الأول الذي هو أول شهور سنتهم ، ويسمون اليوم الأول نيروز الخاصة والمعتبر معظم الحصاد والجداد ، وكذا لو باعه على أن يحل عليه الثمن بالحصاد والجداد ، فسواء باعه على أن يؤدي في الحصاد أو الجداد أو باعه إلى الجداد والحصاد يحل عليه الثمن في الوجهين جميعا في معظم الحصاد والجداد ، إذ ليس لأول الحصاد والجداد وآخره حد معلوم فيحمل في الوجهين على معظمه بخلاف الشهر إذا باعه على أن يعطيه الثمن في شهر كذا جاز البيع ، وحل عليه الثمن في وسطه بدليل هذه الرواية ومن جهة المعنى أن الشهر لما كانا أوله وآخره غير معلومين كان وسطه معروفا ، فقضي بحلول الثمن عنده . وإذا باعه إلى شهر كذا حل عليه الثمن باستهلاله لأنه إلى غاية وهذا بين ا هـ .

فمن باع على أن يقضيه في الصيف فلا إشكال أنه يقضيه في وسطه على هذا القول الذي رجحه ابن رشد ، وعلى قول ابن لبابة يفسد البيع بذلك ، وإذا باعه إلى الصيف فإن كان المتبايعان يعرفان الحساب ويعرفان أول الصيف وآخره فيحل بأوله ، وإن لم يعرفا ذلك [ ص: 359 ] وإنما الصيف عندهما بشدة الحر وما أشبه ذلك فهو كالبيع إلى الحصاد والجداد فيحل بمعظمه ، ويرجع في أول الصيف إلى الحساب الذي تعارفه أهل ذلك البلد والله أعلم أفاده الحط .

واستثنى من قوله زائد على نصف شهر فقال ( إلا ) أن يشترط ( أن يقبض ) بضم فسكون ففتح المسلم فيه ( ببلد ) غير بلد العقد فلا يشترط نصف شهر ، وإنما يشترط كون مسافة ذلك البلد ( كيومين ) من باب العقد يحتمل التحديد بهما فيكون نحو ما في كتاب محمد قرره الشارح ، ويحتمل والثلاثة وهو الذي في سلمها الثالث المازري يكفي اليوم الواحد وعليه درج ابن الحاجب ، ويحتمله كلام المصنف على بعد . المازري التحقيق عندي رد جميعها للوفاق باعتبار زمان كل أو مفهوم عدد وهو غير معتبر عند بعض الأصوليين ، أو خرج على سؤال فلا مفهوم له قاله تت .

طفي قوله يحتمل التحديد أي لا أقل من ذلك فالكاف زائدة ، لكن يلزمه زيادة الكاف ومخالفة مذهب المدونة . قوله ويحتمل والثلاثة أي لا أقل منها وهذا مراد المصنف كأنه يحوم على مذهبها ولو نص على الثلاثة وحذف الكاف لجرى على مذهبها بلا كلفة . عب كيومين أو أكثر ذهابا فقط وإن لم يلفظ بمسافتهما فلا يحتاج لنصف شهر لمظنة اختلاف سوق البلدين حينئذ . وإن لم يختلف بالفعل ولا يكفي عون اليومين ولو اختلف السوق بالفعل خلافا للجزولي ، وحينئذ فلا بد من تأجيله بنصف شهر ثم جواز ما أجله كيومين مقيد بأربعة قيود :

أحدها : قبض رأس المال بمجلس العقد أو قربه قاله الباجي وقد سبق أول الباب .

وثانيها : اشتراط خروجهما حال العقد ، وهذا لا يفهم من كلام المصنف .

ثالثها : خروجهما بالفعل وأفاده بقوله ( إن خرج ) عاقد السلم من المسلم إليه والمسلم إذ الموضوع قبضه ببلد على كيومين ( حينئذ ) أي حين عقده بنفسهما أو بوكيلهما أو أحدهما بنفسه والآخر بوكيله أو لهما وكيلان ببلد قبضه فرارا من جهالة زمن قبضه . [ ص: 360 ]

رابعها : كون مسافة اليومين ( ببر أو ) ببحر يسافر فيه ( بغير ريح ) بأن كان بانحدار مع جري الماء أو بمجاديف أو يجر بحبل من أشخاص ماشين ببر احترازا من البحر الذي يسافر فيه بالريح فلا يجوز لعدم انضباطه إذ قد يصل في أقل من يوم فيصير سلما حالا ( والأشهر ) بضم الهاء جمع شهر المؤجل بها المسلم فيه أي جنسها الصادق بشهر فأكثر تحسب ( ب ) ظهور ( الأهلة ) جمع هلال ، سواء كان بعد ثلاثين يوما أو بعد تسعة وعشرين يوما إن عقد السلم في أول ليلة من الشهر ، فإن عقد في غيرها وأجل بثلاثة أشهر حسب الثاني والثالث بالهلال ( وتمم ) الشهر الأول ( المنكسر ) أي الذي مضى منه ليلة أو أكثر قبل عقد السلم ثلاثين يوما ، وإن كان بالهلال تسعة وعشرين يوما فيتمم ( من ) الشهر ( الرابع ) لا مما يليه لأنه خلاف النقل ولتأديته لانكسار جميع الأشهر .

( و ) إن أحل المسلم فيه ( إلى ) شهر ( ربيع ) الأول أو الثاني مثلا ( حل ) المسلم فيه ( بأوله ) أي ربيع بظهور هلاله أول ليلة منه لا بظهوره نهارا وقول الشارح برؤية هلاله أراد به الرؤية الغالبة وهي رؤيته ليلا ( وفسد ) السلم الذي شرط فيه قضاء المسلم ( فيه ) أي الشهر ( على المقول ) أي مختار المازري من الخلاف ، وهو قول ابن لبابة للجهل بوقت القضاء لتردده بين أوله ووسطه وآخره وسائر أيامه ، وهذا ضعيف والمعتمد قول مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهما صح ويقضيه وسطه وهو الذي رجحه ابن رشد وابن زرب وابن سهل وعزاه لمالك رضي الله تعالى عنه في المبسوط والعتبية قائلا يكون محل الأجل في وسط الشهر إذا قال في شهر كذا وفي وسط السنة إذا قال في سنة كذا ، وإن قال أقضيك في جل ربيع مثلا فقال ابن نافع الجل الثلثان فأكثر ( لا ) يفسد السلم الذي شرط فيه قضاء المسلم فيه ( في اليوم ) الأول من الشهر مثلا لخفة

[ ص: 361 ] غرره ويحل بطلوع فجره ، وإن قال لصدر شهر كذا فقال ابن القطان ثلثاه أو نصفه .

ابن مالك أقل من ذلك واختاره ابن سهل وحده بثلثه لرواية ابن حبيب عن مالك وابن القاسم رضي الله تعالى عنهم من حلف ليقضين غريمه لأجل سماه ، فلما حل قضاه من حقه صدرا مثل الثلث فما فوقه برء قاله تت .




الخدمات العلمية