الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 473 - 474 ] ورجع مرتهنه بنفقته في الذمة ، ولو لم يأذن ، وليس رهنا به إلا أن يصرح بأنه رهن بها ، وهل وإن قال ونفقتك في الرهن ؟ تأويلان . [ ص: 475 - 477 ] ففي افتقار الرهن للفظ مصرح به : تأويلان

التالي السابق


( و ) إذا أنفق المرتهن على الرهن نفقة محتاجا إليها ( رجع مرتهنه ) أي الرهن على راهنه ( بنفقته ) أي المرتهن أو الراهن ( في ذمته ) أي الراهن لا في عين الرهن عقارا كان الرهن أو حيوانا إن أذن له الراهن في الإنفاق بأن قال له أنفق عليه ، بل ( ولو لم يأذن ) الراهن ( له ) أي المرتهن في الإنفاق على الرهن على المشهور لأن غلته له ومن له الغلة عليه النفقة . في المدونة لمالك رضي الله تعالى عنه وإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق على الراهن . ا هـ . حاضرا كان أو غائبا ، مليا أو معدما وظاهره ولو زادت نفقته على قيمته وهو كذلك ، وظاهره ولو مؤن تجهيز ونحوه في المدونة . وأشار ب ولو لقول أشهب إن أنفق عليه بلا إذن فنفقته في عين الرهن .

( وليس ) الرهن ( رهنا به ) أي ما أنفقه المرتهن في كل حال ( إلا أن يصرح ) الراهن ( بأنه ) أي الرهن ( رهن بها ) أي النفقة بأن قال له الرهن رهن بما تنفقه عليه فيكون رهنا بها .

( وهل ) لا يكون الرهن رهنا به إذا لم يصرح بأنه يكون رهنا بها إن لم يقل ونفقتك في الرهن بل ( وإن قال ) الراهن أنفق ( ونفقتك في الرهن ) فإن قام الغرماء اختص بقدر الدين من الرهن وحاصصهم بالنفقة في باقيه لأنه ليس رهنا فيها ، أو كونه [ ص: 475 ] ليس رهنا به إن لم يقل ونفقتك في الرهن فإن قاله فهو رهن به فيختص المرتهن عن الغرماء بالرهن بالنسبة للنفقة أيضا في الجواب ( تأويلان ) الأول لابن شبلون وابن رشد ، والثاني لابن يونس وجماعة في فهم قولها عقب ما تقدم ابن القاسم ، ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه إلا أن يقول أنفق على أن نفقتك في الرهن ، فإذا قال ذلك فله حبسه بنفقته وبما رهنه إلا أن يقوم الغرماء على الراهن فلا يكون المرتهن أحق بفضلته عن دينه لأجل نفقته أذن له في ذلك أم لا إلا أن يقول أنفق والرهن بما أنفقت رهن ا هـ .

طفي فهمها ابن يونس على أنه لا فرق بين قوله أنفق على أن نفقتك في الرهن ، وقوله والرهن رهن بما أنفقت وجعل في الكلام تقديما وتأخيرا وترتيبه ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه لأنه سلف وله حبسه بما أنفقه وبما رهنه فيه إلا أن يقوم الغرماء على الراهن فلا يكون المرتهن أحق منهم بفضلته عن دينه لأجل نفقته أذن له في ذلك أم لا إلا أن يقول أنفق على أن نفقتك في الرهن ، وأنفق والرهن بما أنفقت رهن ، فذلك سواء ويكون رهنا بالنفقة ، فمعنى أنفق على أن نفقتك في الرهن أنفق لتتبع وتأخذ نفقتك من الرهن بمنزلة من يعطي رجلا سلعة ويقول بعها واستوف دينك من ثمنها ففلس الدافع قبل البيع أو بعده وقبل قبض الثمن فإنه أسوة الغرماء إلا أن يقول له وهي في يدك رهن ما بينك وبين البيع ، ثم قال طفي وفهمها ابن شبلون على ظاهرها من أنها ثلاثة أقسام ولا يكون رهنا إلا مع التصريح لا مع قوله أنفق ونفقتك في الرهن ، إذ معنى هذا أنه يأخذها من الرهن لا أن الرهن رهن بها قاله عياض .

( تنبيهات ) الأول : طفي كلام المصنف هنا في النفقة الواجبة على الراهن قبل الرهن فهي مقصورة على نفقة الحيوان ، ففي إدخال نفقة العقار هنا نظر لأنها غير واجبة ، ولذا كانت في الرهن لا في ذمته ، والواجبة في ذمته في نفقة العقار على القول يجبره على إصلاحه [ ص: 476 ] تكون في ذمته . ويدل على هذا التفريق قول ابن عرفة والنفقة على الراهن الواجبة قبل رهنه باقية بعده ، ثم قال مفرعا على ذلك فإن أنفق المرتهن بأمره أو بغير أمره رجع عليه ثم ذكر نفقة العقار وأنها في الرهن لا في ذمة الراهن على القول بعدم لزومها له ، وعلى اللزوم تكون في ذمته إلا أنه تكلم على الثمرة المأبورة بيده فقط لا على عموم العقار والظاهر أنه لا فرق وما قلناه قرر به الشيخ ابن عاشر في حاشيته كلام المصنف فإنه قال في قوله ورجع مرتهنه بنفقته في الذمة ، يعني التي شأنها الوجوب على المالك لو لم يكن المملوك رهنا بدليل قوله الآتي وإن أنفق مرتهن على كشجر . وقال في قوله وإن أنفق مرتهن على كشجر أي مما توقف سلامته على النفقة ولا تلزم مالكه لو لم يكن رهنا نفقته ، وبعدم اللزوم فارقت هذه قوله ورجع مرتهنه بنفقته في الذمة ا هـ وهو صواب ، ولعله أخذه من ابن عرفة ، ويدل على هذا التفريق ذكر المدونة كل مسألة على حدة فقالت وإن أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق على الراهن ولا يكون مما أنفق في الرهن إلى أن قالت . وأما المنفق على الضالة فهو أحق بها من الغرماء حتى يستوفي نفقته ا هـ . ويدل تفريقه بين الرهن والضالة على أن كلامه هنا في نفقة الحيوان فقط ، ثم بعد نحو ورقتين ذكر مسألة النخل والزرع المنهار بئرهما فتأمل ذلك والله الموفق . البناني واختار الشيخ المسناوي ما أفاده " ز " من أن العقار كالحيوان لأنه رهنه وهو عالم بافتقاره إلى الإصلاح فكأنه أمره بالنفقة فيرجع بها في الذمة ، وهذا هو الفرق بين ما هنا وبين الأشجار .

الثاني : قيل قوله وليس رهنا به مستفاد من قوله في الذمة واعترضه ابن عاشر وغيره بأن كونه رهنا لا ينافي تعلق المرهون به بالذمة له كسائر الديون ، وإنما فائدة كونها في الذمة أنها إذا زادت على الرهن فإنه يتبعه بما زاد في ذمته وهذا أعم من كونه رهنا بها أم لا .

الثالث : اعترض قوله وهل وإن قال ونفقتك في الرهن تأويلان بأنهما إنما وقعا في أنفق على أن نفقتك في الرهن . وأجيب بأنه رأى أن لا فرق بين على والواو وقد يبحث [ ص: 477 ] فيه قاله عج ، أي في قياس الواو على على بأن على أظهر في حبسه في النفقة مع قيام الغرماء لقربه من التصريح بأنه رهن بها . وأجيب باحتمال أن المعنى مع على أنفق على أن نفقتك بسبب الرهن فلذا جاء في ذلك تأويلان . وقياس أنفق ونفقتك في الرهن عليه في جريان التأويلين ظاهر على حد قوله الآتي وأنت حر على أن عليك ألفا أو وعليك ألف لزم العتق والمال أفاده عب .

البناني فيه نظر فإن ابن يونس صاحب التأويل الثاني يفيد أنه رهن بها سواء قال على أن نفقتك رهن أو قال ونفقتك في الرهن ونصه ابن القاسم ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه لأنه سلف ، ثم قال إلا أن يقول له أنفق على أن نفقتك في الرهن أو أنفق والرهن بما أنفقت رهن فذلك سواء ويكون رهنا بالنفقة ، ثم قال فإن غاب وقال الإمام أنفق ونفقتك في الرهن كان أحق به من الغرماء كالضالة . ا هـ . ينقل " ق " فعبر مرة بعلى ومرة بالواو ولاستوائهما ، وكذا ابن رشد ونصه قول ابن القاسم إذا قال الراهن للمرتهن أنفق على الرهن على أن نفقتك فيه فيكون أحق بما فضل من الرهن عن حقه حتى يستوفي نفقته إلا أن يقوم عليه الغرماء فلا يكون أحق ببقية الرهن في نفقته منهم : ورأى أشهب أنه أحق من الغرماء ببقية الرهن في نفقته بقوله أنفق ونفقتك فيه ا هـ . وعبر ابن عرفة في محل التأويل مثل تعبير المصنف فقال وفيها لو قال أنفق والرهن بما أنفقت رهن فهو بها رهن ، ولو قال ونفقتك في الرهن ففي كون فائدته حبسه على ربه في النفقة لا رهنا بها أو رهنا بها قول ابن شبلون أخذا بظاهرها والصقلي مع بعض القرويين مؤولا عليه المدونة .

وفرع على التأويلين فقال ( ففي افتقار ) صحة عقد ( الرهن للفظ ) من مادته ( مصرح ) بضم الميم وفتح الصاد المهملة والراء مثقلا ( به ) وهو الآتي على تأويل ابن شبلون وابن رشد وعدم افتقاره إلى لفظ مصرح به وهو الآتي على تأويل ابن يونس ( تأويلان ) لازمان من كلامهم في المسألة المتقدمة وإن لم يصرحوا بهما قاله طفي . البناني أي لم يصرحوا بأنهما تأويلان وإلا فالخلاف في ذلك بين ابن القاسم وأشهب صرح به ابن رشد [ ص: 478 ] وابن عرفة وغيرهما . ابن عرفة الصيغة ما دل على خاصته وهو اختصاص من حيز له به عمن سواه ، وفي لزوم كون الدلالة مطابقة أو تكفي دلالة الالتزام قولا ابن القاسم وأشهب .




الخدمات العلمية