الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال : [ ص: 112 ] ( ومن استأجر أرضا على أن يكربها ويزرعها أو يسقيها ويزرعها فهو جائز ) ; لأن الزراعة مستحقة بالعقد ، ولا تتأتى الزراعة إلا بالسقي والكراب . فكان كل واحد منهما مستحقا . وكل شرط هذه صفته يكون من مقتضيات العقد فذكره لا يوجب الفساد ( فإن اشترط أن يثنيها أو يكري أنهارها أو يسرقنها فهو فاسد ) ; لأنه يبقى أثره بعد انقضاء المدة ، وأنه ليس من مقتضيات العقد ، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين . وما هذا حاله يوجب الفساد ; لأن مؤجر الأرض يصير مستأجرا منافع الأجير على وجه يبقى بعد المدة فيصير صفقتان في صفقة واحدة وهي منهي عنه . ثم قيل : المراد بالتثنية أن يردها مكروبة ولا شبهة في فساده . وقيل أن يكربها مرتين ، وهذا في موضع تخرج الأرض الريع بالكراب مرة واحدة والمدة سنة واحدة ، وإن كانت ثلاث سنين لا تبقى منفعته ، وليس المراد بكري الأنهار الجداول بل المراد منها الأنهار العظام هو الصحيح ; لأنه تبقى منفعته في العام القابل . قال : ( وإن استأجرها ليزرعها بزراعة أرض أخرى فلا خير فيه ) وقال الشافعي : هو جائز ، وعلى هذا إجارة السكنى بالسكنى واللبس باللبس والركوب بالركوب . [ ص: 113 ] أن المنافع بمنزلة الأعيان حتى جازت الإجارة بأجرة دين ولا يصير دينا بدين ، ولنا أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا فصار كبيع القوهي بالقوهي نسيئة وإلى هذا أشار محمد ، [ ص: 114 - 115 ] ولأن الإجارة جوزت بخلاف القياس للحاجة ولا حاجة عند اتحاد الجنس ، بخلاف ما إذا اختلف جنس المنفعة .

التالي السابق


( قوله : لأن مؤجر الأرض يصير مستأجرا منافع الأجير إلخ ) قال بعض الفضلاء : هذا دليل آخر على أصل المدعي فالظاهر أن يقال : ولأن بالواو لمنتهى . أقول ليس الأمر كما زعمه ، فإن قوله ; لأن مؤجر الأرض إلخ دليل على قوله ، وما هذا حاله يوجب الفساد على أصل المدعي فالظاهر ترك الواو كما وقع ( قوله : وقيل أن يكربها مرتين ، وهذا في موضع تخرج الأرض الريع بالكراب مرة واحدة والمدة سنة واحدة ) قال الشراح : إنما قيد بهذين القيدين : أي بالكراب مرة وبكون المدة سنة ; لأنه إذا شرط أن يكربها مرتين في موضع لا تخرج الأرض الريع إلا بالكراب مرتين ، أو كانت تخرجه بالكراب مرة إلا أن مدة الإجارة كانت ثلاث سنين لا يكون هذا الشرط مفسدا للعقد ; لأنه يكون في الأول من مقتضيات العقد ، وفي الثاني ليس فيه منفعة لصاحب الأرض فيجوز . وعبارة العناية : والثاني [ ص: 113 ] ليس فيه لأحد المتعاقدين منفعة لعدم بقاء أثره بعد المدة . وقال بعض الفضلاء : وأنت خبير بأن الثاني أيضا من مقتضيات العقد ، وقوله ليس فيه لأحد المتعاقدين منفعة ممنوع ، بل فيه نفع للمستأجر حيث لا تتأتى زراعة إلا به انتهى . أقول : ليس شيء من شطري كلامه بسديد . أما شطره الأول فلأنه إذا كانت الأرض تخرج الريع بالكراب مرة ، ولكن كانت مدة الإجارة ثلاث سنين كما هو المراد بالثاني فلا شك أن الكراب مرتين في هذه الصورة لا يكون من مقتضيات العقد للقطع بحصول المقصود بالعقد فيها بالكراب مرة واحدة من غير حاجة إلى الكراب مرة أخرى ، وما حصل المقصود بالعقد بدونه كيف يكون من مقتضياته . وأما شطره الثاني فلأنه إذا كانت الأرض تخرج الريع بالكراب مرة فهل يقول العاقل لا تتأتى الزراعة هناك إلا بالكراب مرتين حتى يتوهم النفع للمستأجر في اشتراط الكراب مرتين في موضع تخرج الأرض الريع بالكراب مرة وكانت المدة ثلاث سنين .

ومن قال من الشراح ليس فيه منفعة لصاحب الأرض فإنما خص صاحب الأرض بالذكر بناء على عدم احتمال النفع فيه أصلا للمستأجر ، لا ; لأن له نفعا فيه ، وإلا لا يتم التقريب كما لا يخفى ( قوله : ولنا أن الجنس بانفراده يحرم النساء عندنا فصار كبيع القوهي بالقوهي نسيئة ، وإلى هذا أشار محمد رحمه الله ) ، وهو ما حكي أن ابن سماعة كتب من بلخ إلى محمد بن الحسن في هذه المسألة وقال : لم لا يجوز إجارة سكنى دار بسكنى دار ؟ فكتب محمد في جوابه : إنك أطلت الفكرة فأصابتك الحيرة ، وجالست الحنائي فكانت منك زلة ، أما علمت أن السكنى بالسكنى كبيع القوهي بالقوهي نساء . والحنائي اسم محدث كان ينكر الخوض على ابن سماعة في هذه المسائل ويقول : لا برهان لكم عليها كذا في شرح الجامع الصغير لفخر الإسلام [ ص: 114 ] والفوائد الظهيرية وذكر في عامة شروح هذا الكتاب أيضا .

قال صاحب العناية : في هذا الطريق من الاستدلال بحث من وجهين : الأول أن النساء ما يكون عن اشتراط أجل في العقد وتأخير المنفعة فيما نحن فيه ليس كذلك . والثاني أن النساء إنما يتصور في مبادلة موجود في الحال بما ليس كذلك ، وفيما نحن فيه ليس كذلك ، فإن كل واحد منهما ليس بموجود بل يحدثان شيئا فشيئا . وأجيب عن الأول بأنهما لما أقدما على عقد يتأخر المعقود عليه فيه ويحدث شيئا فشيئا كان ذلك أبلغ في وجوب التأخير من المشروط فألحق به دلالة احتياطا عن شبهة الحرمة ، وفيه نظر ; لأن في النساء شبهة الحرمة ، فبالإلحاق به تكون شبهة الشبهة ، وهي ليست بمحرمة . والجواب أن الثابت بالدلالة كالثابت بالعبارة ، فبالإلحاق تثبت الشبهة لا شبهتها . وعن الثاني بأن الذي لم تصحبه الباء يقام فيه العين مقام المنفعة ضرورة تحقق المعقود عليه دون ما تصحبه لفقدانها فيه ولزم وجود أحدهما حكما وعدم الآخر وتحقق النساء . إلى هنا كلامه . أقول : في الجواب عن الوجه الثاني بحث من وجهين : الأول أنه إذا أقيم العين مقام المنفعة في أحد الطرفين دون الطرف الآخر واعتبر ذلك العين الموجود في الحال معقودا عليه في العقد لا تتحقق المجانسة بين البدلين ، إذ لا مجانسة بين العين والمنفعة فلا يوجد في العقد ما يحرم النساء فلا يتم المطلوب .

والثاني أن هذا الجواب ينافي الجواب المذكور عن الوجه الأول ; لأن مقتضى هذا الجواب أن يكون المعقود عليه فيما نحن فيه هو العين القائم مقام المنفعة ، ومقتضى ذلك الجواب أن يكون المعقود عليه فيه هو نفس المنفعة ; لأنها التي تتأخر وتحدث شيئا فشيئا فكان بينهما تدافع . فإن قلت : المعقود عليه فيه حقيقة نفس المنفعة ، وحكما العين القائم مقام المنفعة ، فمدار الجواب عن الأول على الحقيقة ، ومدار الجواب عن الثاني على الحكم فلا تنافي بينهما . قلت : في جعل الحكم الأول مرتبا على الحقيقة ، والثاني مرتبا على الحكم دون العكس تحكم بل احتيال لفساد العقد ، ولم يجعل الأمر بالعكس تصحيحا للعقد حتى يكون أوفق بقاعدة الشرع ، وهي وجوب تصحيح تصرف العاقل مهما أمكن . ثم قال صاحب العناية : ويجوز أن نسلك طريقا آخر ، وهو أن يقال المدعى أن هذه الإجارة فاسدة ; لأن المعقود عليه إما أن يكون موجودا دون الآخر أو لا ، فإن كان لزم النساء ، وهو باطل ، وإن لم يكن فكذلك ; لعدم المعقود عليه انتهى .

أقول : فيه أيضا بحث ; لأنه إن أراد بالمعقود عليه الذي ردده ما هو المعقود عليه حقيقة ، وهو المنفعة يختار الشق الثاني من الترديد ويكون قوله : وإن لم يكن فكذلك لعدم المعقود عليه غير صحيح ; لأن ما هو المعقود عليه حقيقة معدوم في كل عقد إجارة ولهذا كان القياس يأبى جوازه ، إلا أنا جوزناه لحاجة الناس إليه فأقمنا الدار مثلا مقام المنفعة في حق إضافة العقد إليها ليرتبط الإيجاب بالقبول كما مر في صدر كتاب الإجارات ، فلم يكن عدم ما هو المعقود عليه حقيقة مبطلا لعقد الإجارة قط ، وإن أراد بذلك ما هو المعقود عليه حكما ، وهو العين القائم مقام المنفعة يختار الشق الأول من الترديد ويكون قوله : فإن كان لزم النساء ، وهو باطل غير تام ; لأن النساء إنما يبطل عند اتحاد الجنس .

وعلى تقدير أن يجعل المعقود عليه هو العين القائم مقام المنفعة لا تتحقق المجانسة بين البدلين كما عرفت فيما مر آنفا . واعترض بعض الفضلاء على قوله فإن كان لزم النساء ، وهو باطل بوجه آخر حيث قال : هذا لا يتجه إلزاما على الباحث ، فإنه يختار هذا الشق ويمنع استلزامه للفساد مستندا بأن مثله موجود في مبادلة السكنى بالزراعة مثلا ، وهو جائز بالإجماع فليتأمل . أقول : هذا في غاية السقوط ، إذ ليس في مبادلة السكنى بالزراعة مبادلة الشيء بجنسه ، والذي يحرم النساء بانفراده إنما هو الجنس لا غير ، فلا مجال ; لأن يقال : لأن مثل ما قيل فيما نحن فيه من بطلان النساء موجود في مبادلة السكنى بالزراعة ، وهذا مع ظهوره جدا كيف خفي على مثله ، ثم إن الإمام [ ص: 115 ] الزيلعي استشكل أصل الدليل المذكور حيث قال في التبيين : وهذا مشكل على القاعدة ، فإنه لو كان كذلك لما جاز ، بخلاف الجنس أيضا ; لأن الدين بالدين لا يجوز ، وإن كان بخلاف الجنس ، ولأن العقد على المنافع ينعقد ساعة فساعة على حسب حدوثها على ما بينا من القاعدة ، فقبل وجودها لا ينعقد عليها العقد فإذا وجدت فقد استوفيت فلم يبق دينا فكيف يتصور فيها النسيئة ، فعلم بذلك أن الاحتجاج به غير مخلص ، إلى هنا كلامه .

أقول : كل من وجهي استشكاله ساقط . أما وجه الأول فلأن الدليل المذكور لا يقتضي عدم جواز العقد بخلاف الجنس أيضا قوله : إن الدين بالدين لا يجوز ، وإن كان بخلاف الجنس مسلم ، ولكن ليس في مبادلة المنافع مبادلة الدين بالدين ; لأن المنافع ليست بدين ، إذ الدين ما ثبت في الذمة والمنافع لا تثبت في الذمة ، صرح بذلك في النهاية بل عامة الشروح . وأما وجه الثاني فلأن الانعقاد في العقد على المنافع ، وإن حصل ساعة فساعة على حسب حدوث المنافع إلا أن نفس العقد ، وهو الإيجاب والقبول الصادران عن المتعاقدين مع ارتباط أحدهما بالآخر موجود بالفعل ، وهو علة معلولها الانعقاد ، وتأخر المعلوم عن العلل الشرعية جائز على ما عرف ، فمعنى انعقاد عقد الإجارة ساعة فساعة أن عمل العلة ونفاذها في المحل يحصل ساعة فساعة ، لا أن نفس العقد يكون ساعة فساعة ، إذ لا شك أن الإيجاب والقبول لا يصدران عن المتعاقدين إلا مرة واحدة ، وهذا كله مما تقرر في صدر كتاب الإجارة ، فقبل وجود المنافع ، وإن لم يحصل الانعقاد إلا أنه يتحقق نفس العقد ، فحين أن يتحقق نفس العقد ، وهو أن صدوره عن المتعاقدين تتحقق النسيئة في المنافع قطعا فيبطل العقد فيما إذا كان البدلان منفعة ، واتحد جنسهما كما فيما نحن فيه ، ويبطل قوله : فكيف يتصور فيها النسيئة تبصر ترشد .

( قوله : ولأن الإجارة جوزت بخلاف القياس للحاجة ، ولا حاجة عند اتحاد الجنس ) قال الشراح : لحصول مقصوده بما هو له من غير مبادلة انتهى . أقول : للخصم أن يقول : لا نسلم انتفاء الحاجة عند اتحاد الجنس ، ولا حصول مقصوده بما هو له من غير مبادلة ، إذ لا يخفى أن كثيرا من الناس قد يحتاج إلى سكنى بعض الدور دون بعضها ، ولا يحصل مقصوده بسكنى بعضها دون بعض لاختلاف المقاصد باختلاف الأماكن بحسب تعدد البلاد بل بحسب تعدد المحال من بلد واحد فكم منهم يحتاج إلى السكنى في بلد آخر أو في محلة منه لحصول حوائجه ، ومهماته في ذلك ، ولا يحتاج إلى السكنى في بلد آخر أو في محلة أخرى من البلد الأول لعدم حصول تلك الحوائج والمهمات هناك . اللهم إلا أن يقال : هذا القدر من الحاجة لا يكفي في ترك القياس ، وكأنه أشير إليه في الكافي وغيره بأن يقال : والحاجة لا تمس عند اتحاد الجنس ، وإنما تمس عند اختلاف الجنس ، والكمال من باب الفضول ، والإجارة ما شرعت لابتغاء الفضول . انتهى تأمل تقف .




الخدمات العلمية