الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن أعتق عبدا نفذ عتقه عندهما ) . وعند الشافعي لا ينفذ . والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه إلخ وما لا فلا ، لأن السفيه في معنى الهازل من حيث إن الهازل يخرج كلامه لا على نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله ، فكذلك السفيه والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه [ ص: 265 ] والأصل عنده أن الحجر بسبب السفه بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعده شيء من تصرفاته إلا الطلاق كالمرقوق ، والإعتاق لا يصح من الرقيق فكذا من السفيه ( و ) إذا صح عندهما ( كان على العبد أن يسعى في قيمته ) لأن الحجر لمعنى النظر وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض . وعن محمد أنه لا تجب السعاية لأنها لو وجبت إنما تجب حقا لمعتقه والسعاية ما عهد وجوبها في الشرع إلا لحق غير المعتق ( ولو دبر عبده جاز ) لأنه يوجب حق العتق فيعتبر بحقيقته إلا أنه لا تجب السعاية ما دام المولى حيا لأنه باق على ملكه

التالي السابق


( قوله والأصل عندهما أن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر وما لا فلا ، إلى قوله : والعتق مما لا يؤثر فيه الهزل فيصح منه ) قال في العناية : وفيه بحث من أوجه : الأول أن السفيه لو حنث في يمينه وأعتق رقبة لم ينفذه القاضي ، وكذا لو نذر بهدي أو غيره لم ينفذه .

فهذا مما لا يؤثر فيه الهزل بقوله عليه الصلاة والسلام { ثلاث جدهن جد وهزلهن جد } وقد أثر فيه الحجر بالسفه . والثاني أن الهازل إذا أعتق عبده عتق ولم تجب عليه سعاية والمحجور بالسفه إذا أعتقه وجب عليه السعاية ، فالهزل لم يؤثر في وجوب السعاية والحجر أثر فيه . والثالث أن التعليل المذكور إنما يصح في حق السفيه لا في حق الهازل .

والصحيح فيه أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في العقل . والجواب عن الأول أن القضاء بالحجر عن التصرفات المالية فيما يرجع إلى الإتلاف يستلزم عدم تنفيذ الكفارات والنذور ، لأن في تنفيذهما إضاعة المقصود من الحجر لإمكان أن يتصرف في جميع ماله باليمين والحنث والنذر . وعن الثاني ما سيجيء في الكتاب . وعن الثالث أن قصد اللعب بالكلام وترك ما وضع له من مكابرة العقل واتباع الهوى فلا فرق بينهما ا هـ .

أقول : في الجواب عن الأول وعن الثاني على [ ص: 265 ] الوجه المذكور بحث أيضا . أما في الجواب عن الأول فلأن حاصل ذلك الجواب بيان وجه عدم تنفيذ الكفارات والنذور الواقعة من السفيه ، وهذا لا يجدي شيئا في دفع البحث الأول ، لأن حاصل ذلك البحث كما ترى نقض كلية قولهما إن كل تصرف يؤثر فيه الهزل يؤثر فيه الحجر ، وما لا فلا ، بعدم تنفيذ القاضي تصرف السفيه في الكفارات والنذور مع عدم تأثير الهزل في شيء منهما ، فما ذكر في الجواب يقوي البحث فضلا عن أن يدفعه .

وأما في الجواب عن الثاني فلأن ما سيجيء في الكتاب هو قول المصنف ، لأن الحجر لمعنى النظر ، وذلك في رد العتق إلا أنه متعذر فيجب رده برد القيمة كما في الحجر على المريض ، ولا يذهب عليك أن هذا أيضا لا يدفع نقض الكلية المعتبرة في أصلهما كما هو حاصل البحث الثاني أيضا ، بل يقويه كما عرفت آنفا .

ثم إن بعض الفضلاء أورد على قول صاحب العناية في البحث الثالث ، والصحيح فيه أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له حيث قال فيه بحث ، إذ هذا المعنى لا يوجد في السفيه ولا بد من الاشتراك ا هـ . أقول : كأنه غلط في الاستخراج فتوهم أن الضمير المجرور في قوله والصحيح فيه راجع إلى التعليل . فاعترض أنه لا بد من تمام التعليل هاهنا من الاشتراك في العلة ، وهذا المعنى يعني قصد اللعب دون ما وضع الكلام له لا يوجد في السفيه ، كما أن المعنى المذكور [ ص: 266 ] في الكتاب لا يوجد في الهازل على زعم صاحب البحث الثالث ، ولكن لا يخفى على الفطن أن الضمير المزبور راجع إلى حق [ ص: 267 ] الهازل في قوله لا في حق الهازل .

فالمعنى والذي يصح في حق الهازل أن يقال لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا ما ذكر [ ص: 268 ] في الكتاب ، فإنه إنما يصح في حق السفيه فقط ، فحينئذ لا يكون لبحث ذلك القائل وجه كما لا يخفى




الخدمات العلمية