الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن استأجر عبدا هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة فهو جائز ، والأول منهما بأربعة ) ; لأن الشهر المذكور أولا ينصرف إلى ما يلي العقد تحريا للجواز أو نظرا إلى تنجز الحاجة فينصرف الثاني إلى ما يلي الأول ضرورة .

التالي السابق


( قوله : لأن الشهر المذكور أولا ينصرف إلى ما يلي العقد تحريا للجواز أو نظرا إلى تنجز الحاجة ) قال تاج الشريعة : فإن قلت : هذا التعليل إنما يستقيم إذا نكر الشهر ، وهنا عرف بقوله هذين . قلت : رأيت في المبسوط والجامع الصغير [ ص: 141 ] للعتابي وغيرهما عدم التعرض لقوله هذين ، بل في كل واحد منها استأجر عبدا شهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة ، ويحتمل أن يحمل قوله هذين على ما إذا قال المؤجر آجرت منك هذا العبد شهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة فقال المستأجر استأجرت منك هذا العبد هذين الشهرين فينصرف قوله : هذين الشهرين إلى الشهرين المنكرين اللذين دخلا تحت إيجاب المؤجر فينفي التنكير فصلح التعليل بتنجز الحاجة لإثبات التعيين ، إلى هنا كلامه .

واقتفى أثره صاحب الكفاية في نسج هذا المقام على هذا المنوال ، ولكن بنوع تغيير تحرير في أوائل المقال . وقال صاحب العناية : قيل مبنى هذا الكلام على أنه ذكر منكرا مجهولا والمذكور في الكتاب ليس كذلك . وأجيب بأن المذكور في الكتاب قول المستأجر ، واللام فيه للعهد لما كان في كلام المؤجر من المنكر ، فكأن المؤجر قال : آجرت عبدي هذا شهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة ، فقال المستأجر استأجرته هذين الشهرين شهرا بأربعة وشهرا بخمسة . انتهى كلامه .

أقول : لا الشبهة شيء ولا الجواب . أما الشبهة فلأن التعليل المزبور يستقيم ، ويتم بتنكير شهر في شهرا بأربعة وشهرا بخمسة ولا يتوقف على تنكير شهرين ، إذ على تقدير تعريف الشهرين يصير المتعين مجموع الشهرين من حيث هو مجموع ، وهذا لا يقتضي أن يتعين الأول منهما بأربعة والثاني بخمسة لاحتمال أن يكون الأمر بالعكس بناء على تنكير كل واحد منهما ، وإبهامه ، فاحتيج إلى الاستدلال على كون الأول منهما بأربعة ، والثاني بخمسة دون العكس بالتعليل الذي ذكره المصنف فلا غبار عليه أصلا . وأما الجواب فلأنه لو كان المذكور في الكتاب قول المستأجر لما صح تنكير عبدا في قوله ، ومن استأجر عبدا هذين الشهرين ، بل كان هو أحق بالتعريف من الشهرين ; لأن بذلك يعلم أن الذي استأجره هو العبد الذي آجره المؤجر منه . على أن كون اللام في قول المستأجر للعهد إنما يتصور فيما إذا كان كلام المؤجر مقدما على كلام المستأجر في العقد ، وليس ذلك بلازم فإن أيا من المتعاقدين تكلم أولا يصير كلامه إيجابا ، فإذا قيل الآخر ألزم العقد ، فحمل المذكور في الكتاب على قول المستأجر لا يقتضي تعريف الشهرين في هذه المسألة على الإطلاق فيلزم تخصيص مسألة الكتاب ببعض الصور ولا يخفى ما فيه .

ثم أقول : لعل المصنف إنما عرف الشهرين في تقرير هذه المسألة مخالفا لما وقع في عامة الكتب من تنكير ذلك إشعارا بأن جواب هذه المسألة لا يتغير بتعريف لفظ الشهرين ، بل تنكير ذلك وتعريفه سيان عند تنكير شهرا في شهرا بأربعة وشهرا بخمسة لما بيناه في رد الشبهة آنفا . وقال بعض الفضلاء : يجوز أن يكون وضع المسألة فيما إذا ذكر المستأجر لفظ الشهرين بالتنكير ، وإنما ذكر المصنف معرفا نظرا إلى تعينه المآلي حيث يتصرف إلى ما يلي العقد فلا يكون قوله : هذين الشهرين من كلام المستأجر بل هو لفظ المصنف انتهى . أقول : ليس هذا بشيء أيضا ، إذ لا يذهب عليك أن قوله شهرا بأربعة وشهرا بخمسة من كلام المستأجر ، وأنه تفصيل للشهرين ، فلو لم يكن قوله : هذين الشهرين من كلام المستأجر بل كان من لفظ المصنف لزم أن يكون المجمل لفظ المصنف والمفصل لفظ المستأجر ، وهذا مما لا يرتضيه العاقل .

ثم أقول : بقي هاهنا كلام ، وهو أن الظاهر أن جواب هذه المسألة غير مختص بصورة أن يكون الأجير عبدا بل هو متمش في صورة إن كان حرا أيضا لعين الدليل المذكور في الكتاب ، فوجه ذكر هذه المسألة في باب إجارة العبد غير واضح ، فإن المناسب أن يذكر فيه ما له اختصاص بالعبد من الأحكام ، وإلا فكثير من الأحكام المذكورة في الأبواب السابقة مشترك بين الحر والعبد ، ولا يقال : [ ص: 142 ] إن كون الأجير عبدا أكثر من كونه حرا ، فبنى الأمر على الأكثر ، إذ لا نسلم أن ذلك أكثر ، بل الظاهر أن كون الأجير حرا أكثر لاستقلاله وكثرة احتياجه إلى الأجرة لإنفاق نفسه وعياله ، وأيضا لو كان بناء الأمر على ذلك لذكر سائر مسائل الأجير أيضا في هذا الباب ، والله الموفق للصواب .




الخدمات العلمية