الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                صفحة جزء
                                                                                                                [ ص: 59 ] فرع

                                                                                                                في الكتاب : ثلث رقيقي أحرار ، يعتق ثلثهم بالسهم ؛ لأن من كل واحد ثلثه توفيرا لمصلحة العتق بكمال الحرية ، فيخلص للعبادات والولايات الشرعية ، أو قال : ثلثهم لفلان فهلك بعضهم . أو ثلث غنمي فاستحق ثلثها . فإنما له ثلث ما بقي ؛ لأن الباقي هو في غنمه ، فإن لم يقتسموا فهو شريك بالثلث ، وإن أوصى بعشرة من غنمه فهلكت إلا عشرة فهي له بمقتضى اللفظ ، وإن عدلت نصف الغنم ، وإن أوصى بعشر غنمه فهلكت ليس له إلا عشر الباقي ؛ لأنك شريك والأول مختص .

                                                                                                                ‌‌‌‌‌‌‌‌ فرع

                                                                                                                قال : في الكتاب : إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا فأنت حر ، أو لفلان كذا ، فهي وصية تنفذ إن مات من مرضه ذلك أو من سفره ، فإن صح أو قدم ولم يغيرها حتى مات لا تنفذ لتقييده لما قد بطل ، إلا أن يكتب كتابا ويصفه على يد رجل ، ولا يغيرها بعد قدومه أو إفاقته وبعده حتى يموت ؛ لأن الإقرار كالإنشاء ، فإن أخذ الكتاب بعد إفاقته أو قدومه وأقره بيده حتى مات بطلت ، وإن أشهد عليها ؛ لأن استرجاعها دليل رجوعه عنها ، وإنما تنفذ إذا جعلها على يد رجل ، وإن كتبه عند المرض أو السفر أو في الصحة ولم يقل : إن مت من مرضي هذا أو سفري ، بل كتب : إن حدث بي حدث نفذت أقره عنده أم لا ، مات من ذلك أو من غيره ، إذا أشهد عليه ؛ لأنه لم يقيد وصرح بالإطلاق ، قال التونسي : إذا قال : إن مت من مرضي هذا أو قدمت من سفري هذا : قال أشهب : إن مات من مرض آخر أو سفر آخر نفذت ؛ لأن التنفيذ لا يقصد به الناس خصوص مرض دون مرض بل الاحتياط فقط ، ألا ترى أنه لو مات قبل السفر نفذت ، قال : وإن سارت في غير سفر أو مرض لم ينفذ لبطلان التقييد بلا كلية ، وعن مالك : إن كتب : إن مت من سنتي هذه ، فعاش بعدها شيئا ثم مات وهي بيده لم يغيرها

                                                                                                                [ ص: 60 ] نفذت ، وإذا لم يقرأها على الشهود ، وقال : اشهدوا علي بما فيها ، فإن تيقنوا أنها الكتاب بعينه ولم يشكوا في الطابع ، شهدوا به ، وإن فتحوها فوجدوا فيها محوا لم يغير ما قبله ولا ما بعده لم يضر ذلك ، فإن غير البعض لم ينفذ ذلك البعض فقط إلا أن يعرفوا المحو ، ومن شك فلا يشهد إلا أن تكون الوصية عنده ، أو يتحقق خاتمه بعينه في الغيبة . ويشهد من لم يكن بيده الكتاب بمبلغ علمه ، قال ابن يونس : سواء قال : من مرض ، أو في مرض ، أو من سفري ، أو في سفري ؛ لأنه المقصود عرفا .

                                                                                                                قال مالك : إذا وجدوا خطه بعد موته الذي لا يشكون فيه لا ينفذ إلا أن يشهد فيها على نفسه ؛ لأنه قد يكتب ما لا يعزم عليه ، ولو قرأها على الشهود لا ينفذ إلا أن يقول : اشهدوا علي بما فيها ، ويجوز أن يشهدهم فيها بغير قراءة ، قاله مالك إذا طبع عليها ، وقال أشهب : كانت مختومة ، أو منشورة إذا قرءوها ، وقال : يشهد بأنها وصية ، فقال برأسه : نعم ، فإن قال : اشهدوا بما فيها ، وما بقي من ثلثي فلعمتي فوجد بعد موته ، وما بقي من ثلثي فلليتامى والمساكين والأرامل ، قال ابن وهب : يقسم بقية الثلث بين العمة ، والأنصاف نصفين لتعارض السببين ، قال اللخمي : إذا وجدوا محو الغير أرى أن يمضي إذا كانت بخط الميت ، والإصلاح بخطه أو بخط كاتب الوصية وهو عدل ، فإن كان غير عدل ، أو مجهولا وأخرجها الورثة وهم جائزو الأمر حكم بذلك الحق إن تضمن زيادة ولا يحكم به إن تضمن نسخ بعضها أو رجوعه إليهم وإن كانوا غير جائزي الأمر لم يحكم به وإن تضمن زيادة ، وكل هذا استحسان ، والقياس : إمضاؤها مطلقا ؛ لأنه رضي بما في المختوم مطلقا ، وإن قال : إن مت من مرضي أو من سفري هذا فأنت حر ولم يكتب كتابا فلم يكن ذلك لم يعتق ، فإن كتبه وجعله على يد غيره ولم يأخذه بعد صحته وقدومه نفذت وإلا فلا إن كان الكتاب من الأول عنده ، وعن مالك : ينفذ ؛ لأن الناس يفعلون ذلك ، وعنه : أنها باطلة لذهاب الشرط .

                                                                                                                قال التونسي : إذا قال : فلان [ ص: 61 ] وصي فصدقوه صدق ، كقوله : وصيتي عند فلان فنفذوها . وعن ابن القاسم : وصيتي عند فلان فأنفذوا ما فيها : إن كان عدلا أنفذت ، وقال سحنون : تنفذ وإن كان غير عدل ؛ لأنه رضيه وأتمنه ، قال : وهو الأشبه كقوله : ما ادعى علي فلان فصدقوه ، ولو قال : إنما أوصى بالثلث لابني أو لي ، لم يصدقه ابن القاسم للتهمة ، وصدقه غيره ؛ لأنه ائتمنه ، فإن قال : يجعل ثلثي حيث يرى ، فأعطاه لولد نفسه ، ولذلك وجه جاز ، وإلا فلا ، قال ابن يونس : إذا قال : علي ديون وابني يعلم أهلها ، وصدقوه ، قال ابن القاسم : هو كالشاهد إن كان عدلا يحلف معه المدعي ، وقال أصبغ : يصدق من جعل إليه الميت التصديق كان عدلا أم لا كقول مالك : من ادعى علي من دينار إلى عشرة فأعطوه بلا بينة . وتعزل العشرة من رأس المال ، وتوقف حتى يعلم من يدعي ، فلو ادعى جماعة فيها وادعى كل واحد أقل من العشرة ، فلا شيء لمن ادعى عشرة فأكثر إلا ببينة ، فيقدم على غيره ، وعن مالك : يتحاص مدعي العشرة فأقل ، ومدعي الأكثر لا شيء له ، ومنشأ الخلاف : هل الغاية تدخل في المعنى أم لا ؟ وقد جعل العشرة غاية . وعن ابن القاسم : من ادعى مثل ما قال الميت أعطيه مع يمينه ، فإن قال من ادعى دينارا ، فحلفوه ، وأعطوه بغير بينة ، أو بلا يمين ، ولا بينة ، ولم يحدد للدين نهاية فهو من ثلثه بخلاف المؤقت ؛ لأنه بيع من البيوع ، وإن قال : كنت أعامل فلانا ، فمهما قال ، يصدق . قال مالك : يصدق في معاملة مثله لقرينة ذكره المعاملة ، قال ابن القاسم : وهو من رأس المال ، وإن ادعى ما لا يشبه بطلت دعواه ، وقال أيضا : يبطل ما زاد على معاملة مثله .

                                                                                                                التالي السابق


                                                                                                                الخدمات العلمية