الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما القبض فهو من تمام الهبة لا تملك إلا به وهو قول أهل العراق .

                                                                                                                                            وقال مالك ، وداود : الهبة تتم بالعقد ويؤخذ الواهب جبرا بالقبض استدلالا بقوله تعالى : أوفوا بالعقود [ المائدة : 1 ] ، وبما روى ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه قالوا : ولأنها عطية فوجب أن لا تفتقر إلى قبض كالوصية .

                                                                                                                                            ودليلنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أهدى إلى النجاشي ثلاثين أوقية مسكا قال لأم سلمة : إن النجاشي قد مات وسيرد علي فأعطيك فلما رد عليه أعطى كل واحدة من نسائه أوقية ودفع باقيه إلى أم سلمة ، فلولا أن بالقبض يملك لما استجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتملكه ويتصرف فيه ، وروى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - أن أباها نحلها جداد عشرين وسقا من ماله فلما حضرته الوفاة جلس فتشهد وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن أحب الناس غنى بعدي لأنت ، وإن أعز الناس فقرا بعدي لأنت ، وإني قد نحلتك جداد عشرين وسقا من مالي ووددت لو كنت حزتيه ، وإنما هو اليوم مال الوارث ، وإنما هو أخواك وأختاك ، قالت : هذا أخواي فمن أختاي ؟ قال ذو بطن : ابنة خارجة ، فإني أظنها جارية ، قالت : لو كن ما بين كذا وكذا لرددته ، فدل ذلك من قوله على أن الهبة لا تتم إلا بالقبض . وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال : ما لي أراكم تنحلون ، لا نحل إلا ما أجازه المنحول ، ولا مخالف لهما في الصحابة ولأنه عقد إرفاق يفتقر إلى القبول ، فوجب أن يفتقر إلى القبض كالقرض ولأنه عقد لا [ ص: 536 ] يلزم الوارث إلا بالقبض ، فوجب أن لا يلزم الموروث إلا بالقبض كالرهن طردا ، والبيع عكسا .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن - قوله تعالى - : أوفوا بالعقود [ المائدة : 1 ] ، فهو أن المراد به لازم العقود ، ولزوم الهبة ركوب بالقبض لا بالعقد وقوله - صلى الله عليه وسلم - : العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه محمول على ما بعد القبض .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على الوصية ، فالمعنى في الوصية أنها لما لزمت الوارث لزمت الموروث ، والهبة قبل القبض لما لم تلزم الوارث لم تلزم الموروث .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية