الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وإذا دفع رب المال ألف درهم قراضا ، ثم دفع بعدها ألف درهم أخرى قراضا فهذا على ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن ينهاه عن خلط الألف الثانية بالألف الأولى فهذا جائز ، ويكون كل ألف منهما قراضا مفردا - سواء كان ما شرطاه من ربحيهما واحدا أو مختلفا - ويمنع من خلطهما للشرط ولاختلافهما في العقد .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن يأمره بخلط الألف الثانية بالألف الأولى فهذا على ضربين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن يكون شرط الربح منهما مختلفا فلا يجوز ؛ لأن اختلاطهما يمنع من تميز ربحهما ، ويكون القراض في الألف الثانية باطلا .

                                                                                                                                            فأما الألف الأولى فإن كان قد اشترى بها عرضا لم يبطل القراض فيها ؛ لأن العقد بعد الشراء مستمر ، وإن كانت بحالها لم يشتريها عرضا بطل القراض فيها ؛ لأن العقد قبل الشراء بها غير مستقر .

                                                                                                                                            والضرب الثاني : أن يكون شرط الربح منهما متفقا . قال الشافعي : رضي الله عنه فيما نقله البويطي : إن كان ذلك قبل الشراء بالألف الأولى صح القراض فيها ، وإن كان بعد الشراء صح في الأولى وبطل في الثانية . وهذا صحيح على ما ذكرناه من التعليل ؛ لأنه لما لم يشتر بالأولى عرضا فالقراض فيها غير مستقر ، فصارت الألفان قراضا واحدا ، وإذا اشترى بها [ ص: 335 ] عرضا فقد استقر القراض فيها وصارت الألف الثانية قراضا ثانيا ، وخلط أحد القراضين بالآخر غير جائز ؛ لأنه لا يجوز أن يجبر أحد المالين بالآخر وهو باختلاطه غير متميز .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن لا يأمره بخلطهما ، ولا ينهاه فينظر :

                                                                                                                                            فإن كان شرط الربح مختلفا فهما قراضان لا يجوز خلط أحدهما بالآخر ، ولا يلزمه أن يجبر خسران أحدهما بربح الآخر .

                                                                                                                                            وإن كان شرط ربحهما متفقا نظر :

                                                                                                                                            فإن كان دفع الألف الثانية بعد الشراء بالألف الأولى كانا قراضين لا يجوز له خلط أحدهما بالآخر ، ولا يلزمه أن يجبر خسران أحدهما بربح الآخر .

                                                                                                                                            وإن كان دفع الألف الثانية قبل الشراء بالألف الأولى فهما قراض واحد ، ويجوز خلط إحدى الألفين بالأخرى ويلزمه أن يجبر خسران أحدهما بربح الآخر .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية