الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 460 ] باب عتق المؤمنة في الظهار من كتابين قديم وجديد

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " قال الله تعالى في الظهار فتحرير رقبة ( قال ) فإذا كان واجدا لها أو لثمنها لم يجزئه غيرها " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : الكفارة في الظهار ذات أبدال مرتبة وهي عتق لمن قدر عليها، فإن عجز عنها فصيام شهرين متتابعين لمن استطاع فإن عجز عنه أطعم ستين مسكينا وهو نص القرآن قال الله تعالى : والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا إلى قوله فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا [ المجادلة : 3 ، 4 ] .

                                                                                                                                            فإذا ثبت ترتيب البدل لم يكن العدول إليه إلا بعد ( عدم ) المبدل . فمتى كان واجدا للرقبة أعتق ولم يصم ، وإن كان عادما لها واجدا لثمنها كان كالواجد لها في المنع من الصوم لأمرين :

                                                                                                                                            أحدهما : قوله تعالى : فمن لم يجد فصيام شهرين والقادر على الثمن منسوب إلى الوجود كما قال تعالى : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ، فكان الواجد لثمن الماء في حكم الواجد للماء .

                                                                                                                                            والثاني : أن حقوق الأموال إذا تعلقت بالذمم كان الواجد لأثمانها في حكم الواجد لها في استحقاق فرضها كما قال تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، فكان الواجد لثمن الهدي في حكم الواجد للهدي في أن لا يجوز له الانتقال إلى الصوم ، وكما تقول أن الواجد لصداق الحرة في حكم من تحته حرة في أنه لا يجوز له نكاح الأمة . فإن قيل : فإن وجب عليه في الزكاة ابنة مخاض وهو واجد لثمنها جاز له الانتقال إلى ابن لبون، ولم يكن الواجد لثمنها كالواجد لها .

                                                                                                                                            قيل : الفرق بينهما من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : من طريق النص وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فإن لم تكن ابنة مخاض فابن [ ص: 461 ] لبون ذكر " فراعى وجود ابنة المخاض في المال فإذا لم تكن فيه وجد شرط البدل فجاز العدول إليه ، قال الله تعالى في عتق الظهار فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فلم يراع مالا دون مال فسوينا بين العين والثمن .

                                                                                                                                            والثاني : من طريق المعنى، وهو أن زكاة المال في العين فراعينا وجود العين دون الثمن والكفارة في الذمة فسوينا بين وجود العين والثمن .

                                                                                                                                            فصل : فإذا تقرر أن وجود الثمن كوجود الرقبة في المنع من الصوم فكان ما يملكه من الثمن غائبا عنه لم يكن له الصوم وانتظر بالعتق قدوم ماله ، ولو كان ما يملكه المتمتع من ثمن دم الهدي غائبا عنه جاز له الصوم، والفرق بينهما من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن محل هدي المتمتع معين، فروعي وجوده قبله في ملكه .

                                                                                                                                            والثاني : أن زمان الصوم في التمتع معين، فروعي وجود الهدي قبله ، وزمان الصوم في الظهار غير معين فروعي وجود الرقبة على الإطلاق . فلو وجد المظاهر الثمن ولم يجد الرقبة انتظر وجودها ولم يصم ، ولو وجد المتمتع الثمن ولم يجد الهدي فيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : ينتظر القدرة على ابتياعها ولا يصوم كالمتظاهر .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : يعدل إلى الصوم ولا ينتظر، بخلاف المتظاهر، والفرق بينهما ما ذكرناه من تعيين زمان الصوم فيه وعدم تعيينه في الظهار ، فلو لم يجد المتظاهر الرقبة إلا بأكثر من ثمنها لم يلزمه الشراء ولم يجز له الصوم ، ولو لم يجد المتمتع الهدي إلا بأكثر من ثمنه لم يلزمه الشراء، وفي إجزاء الصوم وجهان على ما ذكرنا . والله أعلم .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وشرط الله عز وجل في رقبة القتل مؤمنة كما شرط العدل في الشهادة وأطلق الشهود في مواضع، فاستدللنا على أن ما أطلق على معنى ما شرط، وإنما رد الله تعالى أموال المسلمين على المسلمين لا على المشركين وفرض الله تعالى الصدقات فلم تجز إلا للمؤمنين، فكذلك ما فرض الله من الرقاب فلا يجوز إلا من المؤمنين " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح . لا يجوز أن يعتق في كفارة الظهار إلا رقبة مؤمنة، وكذلك في كل عتق في كل كفارة، حتى قال الشافعي رحمه الله في عتق النذر المطلق أنه لا يجوز إلا مؤمنة ، وبمذهبه في الكفارات قال مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وقال أبو حنيفة تجوز في عتق الظهار وسائر الكفارات سوى القتل عتق [ ص: 462 ] الكافرة الكتابية سوى الوثنية وهو قول سفيان الثوري والنخعي وعطاء استدلالا بقوله تعالى فتحرير رقبة فكان الاستدلال بها من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : إطلاقها المقتضي ما وقع عليه الاسم من غير تخصيص .

                                                                                                                                            والثاني : أن اشتراط الإيمان زيادة على النص، والزيادة على النص تكون نسخا، ونسخ القرآن لا يكون إلا بالقرآن أو بأخبار التواتر، ومن طريق المعنى أنهم قالوا أنها رقبة تامة في عتقها قربة فوجب أن تجري في كل كفارة الظهار كالمؤمنة، فاحترزوا في قولهم تامة من ذوات النقص، وبقولهم في عتقها قربة من الوثنية ؛ لأنه لا قربة في عتقها، قالوا ولأن الكفر معنى يجب به القتل فوجب ألا يمنع من العتق في كفارة الظهار كعتق العبد القاتل، قالوا ولأن الكفر معصية في الدين فلم يمنع من أنها جزاء في كفارة الظهار كالمعتق .

                                                                                                                                            ودليلنا : قوله تعالى فتحرير رقبة فاستدل الشافعي فيها بأن لسان العرب وعرف خطابهم يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه، فحمل عرف الشرع على مقتضى لسانهم وقد قيد الله تعالى كفارة القتل بالإيمان، والمطلق كفارة الظهار فوجب أن يحمل مطلقها على ما قيد من كفارة القتل كما قيد الشهادة بالعدالة كقوله : وأشهدوا ذوي عدل منكم وأطلقها في قوله واستشهدوا شهيدين من رجالكم فحمل منه المطلق على المقيد في اشتراط العدالة، كذلك الكفارة، فذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى موافقته في حمل المطلق على المقيد بعرف اللسان إذا جمع شرطين أحدهما أن يكون الحكم في الموضعين واحدا، وإن كان مختلفا لم يحمل .

                                                                                                                                            والثاني : أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد فإن كان من أصلين مختلفين لم يجز إطلاقه على أحدهما بعرف اللسان إلا بدليل لم يوجب حمله عليه . فإن قيل : هذا أصل فاسد، وطريقه غير مستمر من ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أن الله تعالى ذكر الإطعام في كفارة الظهار ولم يذكره في كفارة القتل وأطلقه، فلم يحمل هذا المطلق على ذلك المقيد في دخول الإطعام في كفارة القتل كما دخل في كفارة الظهار .

                                                                                                                                            والثاني : أنه شرط التتابع في صيام الظهار وأطلقه في صيام الكفارة ثم لم يحملوا إطلاقه على ذلك المقيد في استحقاق التتابع .

                                                                                                                                            والثالث : أن الله تعالى أوجب في الوضوء غسل أربعة أعضاء واقتصر في التيمم منها على عضوين، وقد أجمع المسلمون على أن إطلاق التيمم لا يحمل على تقييد الوضوء فيستحق فيهما تطهير الأعضاء الأربعة .

                                                                                                                                            [ ص: 463 ] والجواب عنه : أن الأصل الذي قررناه مستمر فليس يفسر بما ذكروه، أما الإطعام في كفارة القتل ففيه قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يدخل في كفارة القتل فعلى هذا يسقط الاعتراض به .

                                                                                                                                            والثاني : لا يدخل ولا يفسد به هذا الأصل ؛ لأنه إنما يحمل المطلق على المقيد في الصفة إذا كان الحكم واجبا . فأما في إثبات أصل الحكم فلا، وهذا إنما هو إثبات حكم لا صفة . وأما صيام كفارة اليمين ففي استحقاق تتابعه قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : مستحق، فعلى هذا يسقط الاعتراض به .

                                                                                                                                            والثاني : أنه غير مستحق ولا يفسد به الأصل لأننا نحمل المطلق على المقيد إذا لم يتنازعه أصلان ، والصوم في كفارة اليمين بين أصلين :

                                                                                                                                            أحدهما : يوجب التتابع وهو صوم الظهار .

                                                                                                                                            والثاني : يوجب التفرقة وهو صوم التمتع وليس حمله على أحدهما بأولى من حمله على الآخر فترك على إطلاقه فكان مخيرا فيه بين تتابعه وتفرقته كما فعل مثله في قضاء رمضان لما أطلق، وهو بين هذين الأصلين حمل على إطلاقه في التخيير بين تتابعه وتفرقته .

                                                                                                                                            وأما التيمم فلم يحمل إطلاقه على تقييد الوضوء لما فيه من إثبات حكم لم يذكر، وحمل المطلق إنما يختص بالصفة، ولذلك حملنا إطلاق اليدين في التيمم على المرافق لتقييد ذلك في الوضوء، فصار الأصل به مستمرا ، وخالف أبو علي بن أبي هريرة الشافعي وسائر أصحابه فقال : أحمل المطلق على المقيد من طريق المعنى لا بموجب اللسان ومقتضى اللغة ، وهذا لقلة معرفته بلسان العرب وموضوع كلامهم ؛ لأنهم تارة يكررون الكلمة للتأكيد، وتارة يحذفونها للإيجاز، وتارة يسقطون بعضها للترخيم، وتارة يتركون الصفة إذا تقدم لها ذكر كالشهادة، وتارة ينبه بالأدنى على الأعلى، وتارة بالأعلى على الأدنى ، فمن عرف هذه المواضع في كلامهم لم ينكر حمل المطلق على المقيد من طريق اللسان دون المعنى ، وإن كان المعنى في الكفارة يوجبه على ما سنذكره . ويدل على ذلك من طريق السنة ما رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن محمد بن الشريد أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه جارية سوداء فقال : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها رقبة أفتجزئ هذه عنها، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أين ربك ؟ فأشارت إلى السماء فقال : من نبيك ؟ فأشارت إليه فقال : أعتقها فإنها مؤمنة وروي : فإنها تجزيك فكان الدليل في هذا الخبر من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : اعتبار الإيمان ولو لم يكن شرطا لما اعتبره .

                                                                                                                                            [ ص: 464 ] والثاني : تعليقه بالإجزاء فإن قيل : إنما اعتبر الإيمان وعلقه بالإجزاء لأن في الرواية أنه قال : علي رقبة مؤمنة . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رجلا أتى بجارية فقال : يا رسول الله علي عتق رقبة مؤمنة أفأعتق هذه فقال لها : أتشهدين أن لا إله إلا الله وأنني رسول الله ؟ قالت : نعم، قال : تصومين ؟ قالت : نعم قال : أعتقها فإنها مؤمنة وقالوا هذه زيادة فكان الأخذ بها أولى . وعن هذا جوابان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الزيادة أولى إذا كان الخبر واحدا وهذان خبران في قضيتين مختلفتين .

                                                                                                                                            والثاني : يجوز أن يكون قوله : " علي رقبة مؤمنة " لعلمه بأن العتق في الرقاب لا يجزئ فيه إلا عتق المؤمنة فصار بالدلالة عليه أشبه ؛ لأنه لم ينقل في الحديث أنه من نذر ولا قتل . ويدل على ذلك من طريق المعنى : أنه تكفير بعتق فوجب أن يكون من شرطه الإيمان كالعتق في كفارة القتل ، ولأن كل عتق لا يجزئ في كفارة الظهار كالمعصية، ولأنها منقوصة بالكفر لم تجز في كفارة القتل، فلا تجزئ في كفارة الظهار كالوثنية . ويدل على ذلك من طريق الاستدلال ثلاثة أشياء :

                                                                                                                                            أحدها : ما ذكره الشافعي أن الله تعالى فرض في أموالنا حقوق الزكوات والكفارات فلما لم يجز وضع الزكاة إلا في المسلمين دون المشركين لأن أبا حنيفة وافقنا عليه وخالفنا في زكاة الفطر، كذلك لا يجوز وضع الكفارات بالعتق إلا في المسلمين دون المشركين .

                                                                                                                                            والثاني : أن الله تعالى أباح استرقاق المشركين إذلالا وصغارا وأمر بالعتق في الكفارة إيجابا على وجه القربة برفع الذل والاسترقاق فلم يجز أن يكون المأمور برفع استرقاقه قربة هو المأذون في استرقاقه مذلة .

                                                                                                                                            والثالث : أن عتق الكفارة ثبت على التأبيد، والكافر لا يتأبد لأنه قد يجوز أن ينقض العهد ويلحق بدار الحرب ثم يسبأ فيسرق، وهذا لا يتصور في عتق المسلم فلذلك أجزأ عتق المسلم لأنه متأبد ولم يجز عتق الكافر لأنه غير متأبد . فأما الآية فالجواب عن تعلقهم بعموم إطلاقها تخصيصها بما ذكرنا والجواب عن تعلقهم منها : بأن الزيادة على النص نسخ فمن وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الزيادة على حكم النص بدليل قام عليه لا يكون نسخا .

                                                                                                                                            والثاني : أنه تخصيص بعض ما شمله العموم وإخراج بعضه فصار نقصا لا زيادة ، وإنما صار تخصيصا لأمرين :

                                                                                                                                            [ ص: 465 ] أحدهما : أن العموم يقتضي عتق الكافرة والمؤمنة، واشتراط الإيمان يخرج منه عتق الكافرة .

                                                                                                                                            والثاني : جواز استثناء الكافرة منه فنقول فتحرير رقبة مؤمنة لا أن تكون كافرة، فبان أنه تخصيص وليس بزيادة .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسهم على المؤمنة والقاتلة والفاسقة وهو أن المعنى فيهم جواز عتقهم في كفارة القتل فلذلك أجزأ في الظهار، والكافرة لا تجزئ في كفارة القتل فلم تجزئ في كفارة الظهار، والله أعلم .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " وإن كانت أعجمية وصفت الإسلام " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح لعموم قوله تعالى : فتحرير رقبة ولم يفرق بين الأعجمية والعربية ولحديث أبي هريرة في اختبار إيمان السوداء بالإشارة وكانت أعجمية، ولأن الإيمان يثبت باللفظ الأعجمي كما يثبت باللفظ العربي ؛ لأنهما يعبران عن الاعتقاد فاستويا فيه كالإقرار . والله أعلم .

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " فإن أعتق صبية، أحد أبويها مؤمن أجزأ "

                                                                                                                                            قال الماوردي : أما إسلام الأبوين معا فهو إسلام لصغار أولادهما إجماعا قال الله تعالى : والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم [ الطور : 21 ] وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء هل تحس من جدعاء فأما إذا أسلم أحد الأبوين فقد اختلف الفقهاء هل يكون إسلاما لصغار أولاده أم لا على ثلاثة مذاهب :

                                                                                                                                            أحدها : وهو مذهب عطاء أنه لا يكون مسلما حتى يسلم أبواه معا .

                                                                                                                                            والثاني : وهو مذهب مالك أنه يكون مسلما بإسلام أبيه ولا يكون مسلما بإسلام أمه .

                                                                                                                                            والثالث : وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء أنه يكون مسلما بإسلام كل واحد منهما أبا أو أما وفي قوله تعالى : وأتبعناهم ذرياتهم [ الطور : 21 ] والأولاد من ذرية الأم كما ( هم ) من ذرية الأب ؛ قال الله تعالى وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم [ آل عمران : 36 ] . وقال الله تعالى ومن ذريته إلى قوله وزكريا ويحيى وعيسى [ الأنعام : 84 ، 85 ] وهو ولد بنت ، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فجعله ببقائها على اليهودية يهوديا، فدل على أنه لا يكون [ ص: 466 ] بانفراد أحدهما يهوديا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسلام يعلو ولا يعلى عليه فإذا اختلف دين الأبوين غلب دين الإسلام لعلوه على سائر الأديان ، ولأنها لو أسلمت والولد حمل صار مسلما بإسلامها، فكذلك إذا أسلمت بعد وضعه وقبل بلوغه ، فإن قالوا : إذا كان حملا وهو متصل بها يجري مجرى أبعاضها فلم يتميز عن جملتها، فإذا انفصل تميز ويختص بحكمه كما يتبعها في البيع إذا كان حملا ولا يتبعها إذا كان منفصلا ، فلما كان بإتباعه في الدين يصح بعد الانفصال وقبله كما لو أسلم أبواه، وإتباعه في البيع لا يصح بعد الانفصال كما لو بيع أبواه فلم يجز الجمع بينهما ، ولأن البعضية في الأم متحققة وفي الأب مظنونة فلما صار بإسلام الأب مسلما فأولى أن يصير بإسلام الأم مسلما .

                                                                                                                                            فإن قيل : لأنه يتبع أباه في النسب وفي الحرية وعقد الصلح فيتبعه في الإسلام بخلاف الأم . قيل : هذا الاعتبار يفسد بإسلامها وهو حمل، ثم قد يعتبر بأمه دون أبيه في الحرية والرق ولا يقتضي أن يكون لها فضل مزية على الأب لاشتراكهما في البعضية كذلك في الإسلام .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية