الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " والكلام بها أن يقول قد راجعتها أو ارتجعتها أو رددتها إلي " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا صحيح : لأن الرجعة إذا لم تكن إلا بالكلام اختصت بالتصريح دون الكناية ، وللتصريح في الرجعة لفظتان :

                                                                                                                                            إحداهما : راجعتك أو ارتجعتك .

                                                                                                                                            [ ص: 312 ] الثانية : رددتك أو ارتددتك فصريح بالكتاب ، قال الله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا [ البقرة : 228 ] وأما راجعتك فصريح بالسنة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : مره فليراجعها .

                                                                                                                                            ثم العرف الجاري به ، فلم يختلف أصحابنا في قوله : " راجعتك " أنه صريح ، وأما رددتك فقد نص الشافعي في كتاب " الأم " على أنه صريح ولم يذكره في القديم والإملاء ، فوهم الربيع فخرج منه قولا آخر أنه كناية لا تصح به الرجعة ، لإخلال الشافعي بذكره في القديم والإملاء ، وقد أنكر تحريمه جمهور أصحابنا ، فأما قوله : قد أمسكتك فقد اختلف أصحابنا ، هل يكون صريحا تصح به الرجعة أم لا ؟ على وجهين : أحدهما : هو قول أبي سعيد الإصطخري ، أنه صريح فيها كقول الله تعالى : فأمسكوهن بمعروف .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنها كناية لا تصح بها الرجعة والفرق بين أمسكتك حيث لم يكن صريحا وبين راجعتك ورددتك حيث كان صريحا أن المطلقة مرسلة مخلاة ، والعرب تقول : لما خرج عن اليد إذا أعيد إليها : قد ارتجعته فرددته ، ولا تقول أمسكته إلا لما كان في اليد لم يخرج عنها ، فلذلك افترقا في حكم الرجعة .

                                                                                                                                            فأما إذا راجع بلفظ النكاح والتزويج مثل : قد تزوجتها أو نكحتها ، ففيه وجهان :

                                                                                                                                            أحدهما : تصح به الرجعة : لأن ما صح به أغلظ العقدين كان أخفهما له أصح .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : وهو أصح أنه لا تصح به الرجعة : لأن صريح كل عقد إذا نقل إلى غيره ، صار كناية فيه كصريح البيع في النكاح ، وصريح الطلاق في العتق ، والرجعة لا تصح بالكناية ، وليس إذا انعقد الأقوى بلفظ كان صريحا فيه ، وجب أن ينعقد بالأضعف ، ألا ترى أن ما انعقد به النكاح الذي هو أقوى لم يقع به الطلاق الذي هو أضعف .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية