الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " فإن قالت علي ألف ضمنها لك غيري أو على ألف فلس وأنكر تحالفا وكان له عليها مهر مثلها " . [ ص: 38 ] قال الماوردي : جمع الشافعي هاهنا بين مسألتين :

                                                                                                                                            إحداهما : أن تقول الزوجة خالعتك على ألف فلس ، ويقول الزوج : بل خالعتك على ألف درهم ، فقد اتفقا على الخلع ، واختلفا في العوض ، فيتحالفان ويقع طلاقه بائنا ، ويحكم له عليها بمهر المثل ، على ما مضى .

                                                                                                                                            وما أجاب به الشافعي من تحالفهما فيها صحيح .

                                                                                                                                            وأما المسألة الثانية : فهو أن يقول الزوج : خالعتك على ألف درهم عليك ، فتقول : خالعتني على ألف درهم ضمنها لك غيري فهذا ثلاثة أقسام :

                                                                                                                                            أحدها : أن تقول الزوجة قد خالعتك عليها لكن ضمنها لك فلان عني فلا تحالف بينهما ، لأن الضمان زيادة وثيقة لا تبرأ به المضمون عنه ، وله مطالبتها بالألف لأن لصاحب الحق مطالبة المضمون عنه ولا يكون الضمان مانعا من مطالبته فهذا القسم مما لا تحالف فيه على ما بيناه ولا يتناوله مراد الشافعي .

                                                                                                                                            والقسم الثاني : أن تقول : خالعتني على ألف درهم لي في ذمة غيري ، ويقول الزوج : بل خالعتك على ألف درهم في ذمتك فقد اتفقا في هذا القسم على الخلع واختلفا في الألف ، فالزوج يدعي أنها ألف في ذمتها والزوجة تدعي أنها ألف في ذمة غيرها ، وما في ذمتها غير ما في ذمة غيرها ، وإن كانا جميعا في ملكها فصار ذلك كاختلافهما في العوض فيقول الزوج : خالعتك على هذا العبد ، فتقول الزوجة : بل خالعتني على هذا العبد الآخر فيتحالفان كذلك هاهنا ، لأن اختلاف الذمتين كاختلاف العبدين ويكون له مهر المثل في ذمتها ، ويجوز أن يكون هذا القسم هو الذي أراده الشافعي .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : أن يقول الزوج خالعتك على ألف درهم فتقول الزوجة بل خالعك فلان على ألف درهم عليه دوني ، فهذه مثل أن تكون قد خالعته بشيء ومقرة بغيرها بأنه خالع الزوج عنها فلا تحالف بينهما لأنها منكرة للعقد ، والتحالف إنما يكون مع الاعتراف بالعقد والاختلاف في صفة ، فيكون القول قولها مع يمينها ولا شيء عليها ، ولا يقبل قولها على الغير بأنه خالع الزوج عنها ، ويقع طلاق الزوج بائنا لأنه مقر بأنها بانت منه بألف قد استحقها .

                                                                                                                                            فإن قيل : فإذا لم يحصل له الألف بالجحود فينبغي ألا يلزمه الطلاق بالإقرار ، كما لو ادعى أنه باع عبده على زيد بألف وأنكره زيد لم يزل ملكه عن العبد وإن اعترف ببيعه على زيد ، لأن الثمن لم يحصل به بجحود زيد .

                                                                                                                                            قيل : الفرق بينهما أن البيع لا ينفك عن الثمن ، فإذا لم يحصل له الثمن لم [ ص: 39 ] يلزمه البيع ، والطلاق قد ينفك عن العوض ، فجاز أن يلزمه الطلاق ، وإن لم يحصل له العوض فهذه ثلاثة أقسام يختلف أحكامها في التحالف والعوض .

                                                                                                                                            فالقسم الأول لا تحالف فيه ، ويستحق فيه العوض فلا يدخل فيما ذكره الشافعي من التحالف .

                                                                                                                                            والقسم الثاني يتحالفان ويستحق فيه مهر المثل ويدخل فيما ذكره الشافعي من التحالف .

                                                                                                                                            والقسم الثالث : لا يتحالفان فيه ولا يستحق فيه العوض ولا يدخل فيما ذكره الشافعي من التحالف والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية