الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " وإن قال رأسك أو شعرك أو يدك أو رجلك أو جزء من أجزائك طالق فهي طالق لا يقع على بعضها دون بعض " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهو كما قال : إذا طلق بعض بدنها طلق جميعها ، سواء كان ما طلقه منها جزءا شائعا مقدرا كقوله : ربعك طالق ، أو نصفك طالق ، أو غير مقدر كقوله جزء منك طالق ، أو كان عضوا معينا كقوله : رأسك طالق ، أو يدك طالق أو شعرك طالق ، أو ظفرك طالق ، وسواء كان العضو مما يعبر به عن الجملة ولا يحيا كالرأس أو كان مما لا يعبر به عن الجملة ويحيا بفقده كاليد والشعر . أو كان مما لا يعبر به عن الجملة واختلف أصحابنا في طلاق بعضها ، هل يقع عليه ثم يسري منه على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أنه يقع الطلاق على ذلك البعض ثم يسري منه إلى جميعها .

                                                                                                                                            والوجه الثاني : أنه يكمل في الحال ثم يقع على جميعها في حالة واحدة من غير سراية .

                                                                                                                                            [ ص: 242 ] وقال أبو حنيفة : إن طلق جزءا شائعا منها طلقت ، مقدرا كان أو غير مقدر ، وإن طلق عضوا منها ، طلقت بخمسة أعضاء وهي قوله : رأسك طالق أو ظهرك طالق ، أو وجهك طالق ، أو رقبتك طالق أو فرجك طالق ، ولا تطلق بغيرها من قوله : يدك طالق ورجلك طالق ، وشعرك طالق .

                                                                                                                                            واختلف أصحابنا في علة وقوع الطلاق بهذه الأعضاء الخمسة دون غيرها فقال بعضهم : العلة فيها أنها أعضاء لا يحيا بقطعها ، واليد والرجل يحيا بقطعها ، وقال آخرون منهم : وهو قول أكثرهم إن العلة فيها أنه قد يعبر بهذه الأعضاء الخمسة عن جملتها ، ولا يعبر بغيرها عنها ، أما الوجه قوله تعالى : ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام [ الرحمن : 27 ] . وأما الرأس فلقولهم : عندي كذا رأس من الرقيق ، وأما الظهر فلقولهم : عندي من الظهر كذا وكذا ، وأما الرقبة فلقوله تعالى : فك رقبة [ البلد : 13 ] .

                                                                                                                                            وأما الفرج فلقوله صلى الله عليه وسلم : فكيف بكم إذا ركبت الفروج الشروج . واستدل على أن الطلاق لا يقع بطلاق ما سواها ، بأنه جزء يصح بقاء النكاح مع فقده ، فإذا أوقع الطلاق عليه لم تطلق به كالدم واللحم .

                                                                                                                                            قال : ولأن صحة الطلاق معتبر بالقول ، فلم يصح إيقاعه على غير معين كالبيع والنكاح قال : ولأنه سبب للفرقة فلم يصح تعليقه ببعض معين كالفسخ .

                                                                                                                                            ودليلنا : أنه طلق جزءا استباحه بعقد النكاح فوجب أن يقع به الطلاق ، إذا كان من أصله كالجزء الشائع ، فإن قيل : المعنى في الجزء الشائع ، أنه يجوز إفراده بالبيع ، فوقع به الطلاق ، والجزء المعين لا يجوز إفراده بالبيع ، فلم يقع به الطلاق .

                                                                                                                                            قيل : لا يصح اعتبار الطلاق بالبيع ، لأن البيع يقف على ما تناوله ولا يسري إلى غيره ، فصح في الجزء الشائع ، لأنه منتفع به ، ولم يصح في الجزء المعين ، لأنه غير منتفع به ، وليس كذلك الطلاق ، لأنه يسري ، فوقع على الجزء المعين والشائع جميعا لسرايتها إلى الجميع ، فإن قيل فالجزء المشاع هو شائع في جميع البدن ، فجاز أن يسري ، والجزء المعين ليس بشائع في جميع البدن فلم يجز أن يسري قيل إذا جاز أن يسري من ذلك الجزء الشائع إلى جميع الأجزاء جاز أن يسري من ذلك العضو المعين إلى جميع الأعضاء .

                                                                                                                                            فإن قيل : فالعضو تابع للجملة ولا يجوز أن يسري حكم التابع إلى المتبوع ، كما لا يسري عتق الحمل إلى الحامل لأن الحمل تابع ، ويسري عتق الحامل إلى الحمل ، لأنه متبوع ، قيل العضو تابع للنفس فلذلك دخلت ديات الأطراف في دية النفس ، [ ص: 243 ] وليس العضو تابعا للبدن ، لأنه لا يدخل دية عضو في دية عضو ، ثم ينتقض بطلاق الفرج والأعضاء الخمسة .

                                                                                                                                            وقياس ثان : وهو أنه أشار بالطلاق إلى عضو متصل بها اتصال الخلقة ، فوجب أن يكون كالإشارة به إلى جميع الجملة كالأعضاء الخمسة ، وقولنا : " اتصال الخلقة " احترازا من الأذن إذا ألصقت بعد قطعها ، فإنه إذا وقع الطلاق عليه لم يطلق به .

                                                                                                                                            فإن قيل : المعنى في الأعضاء الخمسة أنها قوام البدن ، وأنه لا يحيا بفقدها . انتقض بالكبد والفؤاد لأنهما قوام البدن ، لا يحيا إلا بهما ، ولا تطلق عنده بطلاقهما .

                                                                                                                                            وأن يقال : المعنى فيها أنه يعبر بها عن الجملة ، كان الجواب عنه من ثلاثة أوجه :

                                                                                                                                            أحدها : أنه يعبر عن الجملة على طريق المجاز دون الحقيقة ، وصريح الطلاق يتعلق بالحقيقة دون المجاز .

                                                                                                                                            والثاني : أنه يعبر بها عن الجملة إذا أطلقت من غير إضافة وهي هاهنا مضافة ، لأنه قال : رأسك طالق ، فلم يعبر بها مع الإضافة إلا عنها ، لا عن الجملة ، لأن الإضافة قد ميزت المضاف من المضاف إليه .

                                                                                                                                            والثالث : أنه قد يعبر عن الجملة بغير الأعضاء الخمسة . أما اليد فبقوله تعالى : تبت يدا أبي لهب [ المسد : 1 ] .

                                                                                                                                            وأما الرجل فلقولهم : لفلان عند السلطان قدم أي منزلة وأما الشعر فلقولهم حيا الله هذه اللحية أي الجملة .

                                                                                                                                            وقياس ثالث : وهو أن كل ما لو استثناه من عقد النكاح بطل ، وجب إذا أوقع عليه الطلاق أن يقع كالفرج .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن قياسه على الحمل والدم ، فالمعنى فيهما أنه لم يستبحهما بعقد النكاح .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسه على البيع والنكاح ، فالمعنى فيهما أنهما لا يدخلهما السراية .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسه على الفسخ فالمعنى في الفسخ أنه لا يسري كسراية الطلاق فخالف حكم الطلاق .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية