الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب القراءة في الركعتين الأخيرتين

جزء التالي صفحة
السابق

باب القراءة في الركعتين الأخيرتين .

سألت الشافعي أتقرأ خلف الإمام أم القرآن في الركعة الأخيرة تسر ؟ فقال الشافعي : أحب ذلك ، وليس بواجب عليه فقلت : وما الحجة فيه ؟ فقال : أخبرنا مالك عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك أن عبادة بن نسي أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول : أخبرني عبد الله الصنابحي أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق فصلى وراء أبي بكر المغرب فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل ثم قام في الركعة الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب } فقلت للشافعي : فإنا نكره هذه ونقول : ليس عليه العمل لا يقرأ على إثر أم القرآن في الركعة الثالثة بشيء فقال الشافعي : وقال سفيان بن عيينة : لما سمع عمر بن عبد العزيز بهذا عن أبي بكر الصديق قال : إن كنت لعلى غير هذا حتى سمعت بهذا فأخذت به قال : فهل تركتم للعمل عمل أبي بكر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز ؟ ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله أنه كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعا في كل ركعة بأم القرآن وبسورة من القرآن قال : وكان يقرأ أحيانا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة فقلت للشافعي : فإنا نخالف هذا كله ونقول : لا يزاد في الركعتين الأخيرتين على أم القرآن ( قال الشافعي ) : هذا خلاف أبي بكر وابن عمر من روايتكم وخلاف عمر بن عبد العزيز من رواية سفيان وقولكم لا يجمع السورتين في الركعتين الأوليين هو خلاف ابن عمر من روايتكم ، وخلاف عمر من روايتكم لأنكم أخبرتم أن عمر قرأ بالنجم فسجد فيها ثم قام فقرأ بسورة أخرى وخلاف غيرهما من رواية غيركم فأين العمل ما نراكم رويتم في القراءة في الصلاة في هذا الباب شيئا إلا خالفتموه فمن اتبعتم ما أراكم قلتم بمعنى نعرفه إذا كنتم تروون عن أحد الشيء مرة فتبنون عليه أيسعكم أن تخالفوهم مجمعين ؟ ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر صلى الصبح فقرأ فيها بسورة البقرة في الركعتين كلتاهما . فقلت للشافعي : إنا نخالف هذا ، نقول : يقرأ في الصبح بأقل من هذا ; لأن هذا تثقيل على الناس .

( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول : صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة فقلت : والله لقد كان إذا يقوم حين يطلع الفجر قال : أجل . فقلت للشافعي : فإنا نقول لا يقرأ في الصبح بهذا ولا بقدر نصف هذا ; لأنه تثقيل ( قال الشافعي ) : أخبرنا مالك [ ص: 219 ] عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن أو الفرافصة بن عمير الحنفي قال ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها فقلت للشافعي : فإنا نقول لا يقرأ بهذا هذا تثقيل ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقرأ في الصبح في السفر بالعشر الأول من الفصل في كل ركعة سورة ، قلت للشافعي : فإنا نقول لا يقرأ بهذا في السفر هذا تثقيل .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فقد خالفتم في القراءة في الصلاة كل ما رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم ابن عمر ولم ترووا شيئا يخالف ما خالفتم عن أحد علمته من الناس فأين العمل ؟ خالفتموهم من جهتين : من جهة التثقيل وجهة التخفيف وقد خالفتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم جميع ما رويتم عن الأئمة بالمدينة بلا رواية رويتموها عن أحد منهم هذا مما يبين ضعف مذهبكم ; إذ رويتم هذا ثم خالفتموه ولم يكن عندكم فيه حجة فقد خالفتم الأئمة والعمل ، وفي هذا دليل على أنكم لم تجدوا من خلق الله خلقا قط يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر في القراءة في الصلاة ولا في أمر واحد شيئا ثم يخالفه غيركم وأنه لا خلق أشد خلافا لأهل المدينة منكم ثم خلافكم ما رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فرض الله طاعته وما رويتم عن الأئمة الذين لا تجدون مثلهم فلو قال لكم قائل : أنتم أشد الناس معاندة لأهل المدينة وجد السبيل إلى أن يقول ذلك لكم على لسانكم لا تقدرون على دفعه عنكم ثم الحجة عليكم في خلافكم أعظم منها على غيركم لأنكم ادعيتم القيام بعلمهم واتباعهم دون غيركم ثم من خالفتموهم بأكثر مما خالفهم به من لم يدع من اتباعهم ما ادعيتم فلئن كان هذا خفي عليكم من أنفسكم إن فيكم لغفلة ما يجوز لكم معها أن تفتوا خلقا ، والله المستعان ، وأراكم قد تكلفتم الفتيا وتطاولتم على غيركم ممن هو أقصد وأحسن مذهبا منكم . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث