الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 17 - 19 ] بطلبه ; وإن أتى غيره دينا حل زاد على ماله ، [ ص: 20 ] أو بقي ما لا يفي بالمؤجل فمنع من تصرف مالي

[ ص: 19 ]

التالي السابق


[ ص: 19 ] وأشار لشروط التفليس معلقا لها بفلس فقال ( بطلبه ) أي الغريم تفليس من أحاط الدين بماله إن وافق الطالب باقي الغرماء ، بل ( وإن أبى ) بفتح الهمز والموحدة أي منع تفليسه ( غيره ) أي الطالب وأولى إن سكت . ابن المواز إلا إن يدفع الآبون للطالب دينه من مال مدينهم أو من أموالهم فلا يفلس . قال في المدونة وإذا قام رجل واحد على المديان فله أن يفلسه كقيام الجماعة . وقال ابن عبد السلام في شروط التفليس أحدها أن يقوم عليه من الغرماء واحد فأكثر وقاله غيره أيضا . قال في التوضيح وأخذ من قول المصنف التمس الغرماء أنه لا يكون للقاضي ذلك إلا بطلبهم وأنه لو أراد الغريم تفليس نفسه لم يكن له ذلك . ا هـ . وكذا فهم هذا من قوله هنا بطلبه ومن قوله أول الباب وللغريم منع . . . إلخ .

عب نعم للمدين طلب الحكم بتقسيط الدين بقدر وسعه بعد ثبوت عسره وحلفه عليه وإن لم يطلبه غريم .

والشرط الثاني كون دين الطالب ( دينا حل ) أصالة أو بانتهاء أجله فلا يفلس بدين مؤجل . بعض الشيوخ دينا مفعول له لا به ، أي فلس المدين بسبب طلب غريمه تفليسه لأجل دين حال وهو أولى من جعل ضمير طلبه راجعا للغريم على أنه فاعل الطلب ومفعوله دينا ، إذ لا يلزم من طلب الدين طلب التفليس وهم قد جعلوه شرطا احترازا من طلب المدين أو الحاكم تفليسه دون الغرماء فلا يفلس فيها لمالك إذا أراد واحد من الغرماء تفليس المدين وحبسه . وقال بعضهم ندعه ليسعى حبس لمن أراد حبسه ا هـ ( زاد ) الدين الحال الذي لطالب تفليسه ( على ماله ) أي المدين قاله تت . عب وهو ظاهر سياق المصنف ونحوه قول ابن محرز إن قام به من حل دينه ومن لم يحل فلا يفلس إلا أن يفترق ما حل ما بيده ا هـ البناني في ضيح ذكروا هنا صورا .

الأولى : أن يكون له وفاء دينه الحال والمؤجل فلا يفلس .

الثانية : أن ينقص ما بيده عن الحال فلا شك أنه يفلس .

الثالثة : أن يكون ما بيده مقدار الحال فقط فللقرويين في تفليسه قولان . [ ص: 20 ]

الرابعة : أن يكون بيده مقدار دينه الحال ويفضل عنه فضلة إلا أنها لا تفي بالمؤجل الذي عليه ، فذكر اللخمي أن المعروف أنه يفلس . وفي الموازية أنه لا يفلس وليس بحسن ، وقيد اللخمي ما في الموازية بأن تبقى بيده فضلة يعامله الناس عليها ويتجره الناس بسببها ويرجى من تنميته لها ما يقضي به الديون المؤجلة ، وإذا كان المعروف في هذه المسألة أنه يفلس ، فتفليسه إذا لم يكن بيده إلا مقدار الحال أولى ا هـ . وظاهر ابن عرفة أن تقييد اللخمي هو المذهب ولعلة توفيق بين القولين .

وفرقه في هذه الحال بين الحال والمؤجل يدل على أن المراد بالحال ما يشمل دين الطالب وغيره خلاف ما قيد به " ز " تبعا لتت ، ويدل لذلك أيضا قوله المصنف أو بقي ما لا يفي بالمؤجل ولا دليل له في كلام ابن محرز ، ونص ابن عرفة يتقرر التفليس الأخص بتوجه طلب ذي دين المدين بأزيد مما يملكه المدين ، فإن كانوا جماعة متفقين فواضح ، فإن طلبه أحدهم دونهم ودينه أقل من مال المدين فكذلك ا هـ وهو صريح فيما قلناه . ( أو بقي ) من مال المدين بعد قضاء ما حل عليه ( ما ) أي قدر يسير ( لا يفي ) بفتح التحتية وكسر الفاء أي لا يوفي ( ب ) الدين ، ( المؤجل ) ولا يرجى بتحريكه ربح يفي به . ابن محرز ولم يفضل عن الحال إلا يسير لا يرجى في تحريكه له أداء حقوق الآخرين فيفلس على المعروف من المذهب ، وأولى إن ساوى ماله الحال ولم يبق منه شيء للمؤجل ، ومفهومه أنه إن بقي ما يفي بالمؤجل فلا يفلس وهو كذلك ، وظاهر كلام المصنف تفليسه ولو أتى بحميل وهو كذلك .

( فمنع ) بضم الميم وكسر النون أي يمنع المفلس بالمعنى الأعم وهو قيام غرمائه عليه ، أو بالمعنى الأخص وهو حكم الحاكم عليه بخلع ماله لغرمائه لعجزه عن أداء ديونهم ( من ) كل ( تصرف مالي ) أي في المال الذي فلس فيه ولو بمعاوضة بدون محاباة كبيع وشراء وكراء واكتراء . ابن الحاجب فيمنع من التصرف في المال الموجود . خليل احترازا مما لم يوجد فإنه لا يمنع من تصرفه فيه كالتزامه عطية شيء إن ملكه اللهم إلا أن يملكه [ ص: 21 ] ودينهم باق عليه فلهم المنع حينئذ . ا هـ . ودخل في التصرف النكاح ونص عليه في المدونة ونقله في التوضيح في المقدمات .

وأما بعد التفليس فلا يجوز له بيع ولا شراء ولا أخذ ولا عطاء . ابن عرفة المذهب كله على وقف تصرفه على نظر الحاكم ردا وإمضاء ، هذا نقل اللخمي والمازري وابن رشد وغيرهم من حفاظ المذهب . وفي التوضيح الذي اقتصر عليه اللخمي والمازري وابن شاس أن بيعه وشراءه لا يمضي . وفي الجلاب بيعه وشراؤه جائز ما لم يحاب ، ولم أقف على غير هذين القولين على أن بعض شراح ابن الجلاب تأول كلامه بأن مراده من ظهر عليه الفلس قبل أن يحجر الحاكم عليه ا هـ .

وأما قول ابن الحاجب وفي معاملته ثالثها بالنقد ورابعها بما يبقى لا بما يذهب فقال فيه ابن عبد السلام يعني أن في صحة معاملة المفلس أربعة أقوال ، الصحة مطلقا ومقابلها ، والثالث تصح إذا كان ما يأخذه المفلس نقدا ولا تصح إذا كان مؤجلا ، والرابع إذا كان ما يأخذه لا يسرع له التلف ويبقى عادة كالربع ولست على وثوق من نسبة هذه الأقوال إلى المذهب ، بل رأيت من الحفاظ من ينكرها ، والمنع هو الذي يعرف في المذهب ، ولأجل ذلك حجر على المفلس ولو كان يصح بيعه وشراؤه ما كان الحجر عليه كبير فائدة ، وإنما حكيت هذه الأقوال في مستغرق الذمة بالحرام أو الغصب على القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله لا حكم المفلس وهو الأظهر . ومنهم من رأى حكمه حكم المفلس فمنع من معاملته مطلقا ، وهكذا حرره بعض المحققين ا هـ .

وكذا أنكر ابن عرفة نقل ابن الحاجب وقال من أمعن النظر والبحث علم ضرورة عدم وجودها في المذهب ، وكل المذهب على وقف تصرفه إلخ ما تقدم والله أعلم .




الخدمات العلمية