الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن تعدد حملاء أتبع كل بحصته ، [ ص: 232 ] إلا أن يشترط حمالة بعضهم عن بعض : كترتبهم ، ورجع المؤدي بغير المؤدى عن نفسه بكل ما على الملقي ; ثم ساواه ، [ ص: 233 ] فإن اشترى ستة بستمائة بالحمالة فلقي أحدهم : أخذ منه الجميع ، ثم إن لقي أحدهم : أخذه بمائة ، ثم بمائتين ، فإن لقي أحدهما ثالثا : أخذه بخمسين وبخمسة وسبعين : فإن لقي الثالث رابعا : أخذه بخمسة وعشرين [ ص: 234 ] وبمثلها ، ثم باثني عشر ونصف ، وبستة وربع

التالي السابق


( وإذا تعدد حملاء ) بضم الحاء المهملة وفتح الميم ممدودا جمع حميل ، وأراد به ما فوق الواحد فيشمل الاثنين أيضا لمدين ضمنوه في وقت واحد وحل الأجل وغاب الغريم أو أفلس ( اتبع ) المضمون له ( كلا ) من الحملاء ( بحصته ) أي الحميل المتبع فقط من قسمة الدين المضمون فيه على عددهم ، فلا يكون بعضهم حميلا عن بعضهم بدليل ما بعده [ ص: 232 ] فلا يؤخذ من مليء حصة معدم ، ولا من حاضر نصيب غائب ، ولا من حي حظ ميت ، بأن قال أحدهم ضمانه علينا ووافقه الباقي ، أو قيل لهم تضمنون فلانا فقالوا جميعا نعم دفعة واحدة أو متعاقبين في كل حال ( إلا أن يشترط ) المضمون له في عقد الضمان ( حمالة بعضهم ) أي الحملاء ( عن بعض ) فله أخذ جميع حقه من بعضهم إن غاب غيره أو أعدم وإن حضروا أملياء اتبع كلا بحصته فقط ، فإن كان قال مع ذلك أيكم شئت أخذت حقي منه فله أخذ جميع حقه ممن شاء منهم ولو حضر غيره مليا .

وأقسام المسألة أربعة ، تعددهم بلا شرط فلا يتبع كلا إلا بحصته . تعددهم واشتراط حمالة بعضهم ، وقال أيكم شئت أخذت حقي منه فله أخذه ممن شاء ولو حضروا أملياء . تعددهم بشرط حمالة بعضهم عن بعض ولم يقل أيكم إلخ ، فيأخذ جميع حقه ممن حضر مليا إن غاب الباقي أو أعدم وإن حضروا أملياء اتبع كلا بحصته . تعددهم ولم يشترط حمالة بعضهم عن بعض ، وقال أيكم شئت أخذت حقي منه فله أخذه ممن شاء ولو حضروا أملياء .

وشبه في أخذه الحق ممن شاء المضمون له أخذه منه المفهوم من الاستثناء فقال ( كترتبهم ) أي الحملاء في الحمالة بأن ضمن واحد بعد واحد فله أخذه ممن شاء ، ولو حضروا جميعا أملياء إن أعدم المضمون أو غاب ، وسواء شرط حمالة بعضهم عن بعض أم لا علم المتأخر بالتقدم أم لا ، " غ " كأنه يشير لقوله في المدونة ومن أخذ من غريمه كفيلا بعد كفيل فله في عدم الغريم أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء ( ورجع ) الضامن ( المؤدي ) بضم الميم وفتح الهمز وكسر الدال مثقلا ، ومفهومه محذوف للعلم به ، أي الدين المضمون فيه ( بغير ) القدر ( المؤدى ) بفتح الدال مثقلا ( عن نفسه ) أي المؤدي ، وأبدل من بغير إلخ قوله ( بكل ما ) أي القدر الذي ( على ) الشخص ( الملقي ) بفتح الميم وسكون اللام وكسر القاف وشد الياء ( ثم ساواه ) أي المؤدي الملقي بالكسر فيهما فيما [ ص: 233 ] أداه عن صاحبهما الغائب إذا كانوا حملاء غرماء ، بدليل تمثيله الآتي أو حملاء فقط ، واشترط حمالة بعضهم عن بعض على أحد القولين الآتيين في هذا كثلاثة اشتروا سلعة بثلاثمائة على كل مائة وتضامنوا فلقي البائع أحدهم فأخذ منه الجميع مائة عن نفسه ومائتين عن صاحبيه ، فإن وجد الغارم أحدهما أخذ منه المائة التي دفعها عنه وخمسين نصف المائة التي دفعها عن صاحبهما ثم كل من وجد منهما . الثالث أخذ منه خمسين .

ثم ذكر المصنف مسألة المدونة في الحملاء الستة التي أفردت بالتصانيف مفرعا لها على ما تقدم فقال ( فإن اشترى ستة ) سلعة مشتركة بينهم سوية ( بستمائة ) على كل منهم مائة ( ب ) شرط ( الحمالة ) من كل واحد منهم لباقيهم ( فلقي ) البائع ( أحدهم فأخذ منه الجميع ) أي الستمائة مائة عن نفسه أصالة لا يرجع بها ، وخمسمائة حمالة عن الخمسة الباقين يرجع بها عليهم ( ثم إن لقي ) الدافع ( أحدهم ) أي الخمسة ( أخذه ) أي الدافع الملقي ( بمائة ) عن نفس الملقي تبقى أربعمائة للدافع فيساوي الملقي فيها فيأخذه ( بمائتين ) فيصير كل منهما غرم مائتين عن الأربعة الباقين .

( فإن لقي أحدهما ) أي الدافع والملقي الأول ( ثالثا ) من الستة المتضامنين ( أخذه ) أي أحدهما الملقي الثالث ( بخمسين ) عن نفس الملقي الثالث ربع المائتين المدفوعتين عن الأربعة يبقى من المائتين مائة وخمسون فيساوي أحدهما فيها الملقي الثالث ( و ) يأخذه ( بخمسة وسبعين ) عن الثلاثة الباقين .

( فإن لقي الثالث ) الذي دفع خمسة وسبعين حمالة عن الثلاثة الباقين ( رابعا ) من الستة ( أخذه ) أي الثالث الرابع ( بخمسة وعشرين ) عن نفس الرابع يبقى من الخمسة [ ص: 234 ] والسبعين التي دفعها الثالث حمالة خمسون فيساوي الثالث الرابع فيها ( و ) يأخذه ( بمثلها ) أي بخمسة وعشرين حمالة عن الباقيين .

( ثم ) إن لقي هذا الرابع خامسا من الستة أخذه ( باثني عشر ونصف ) عن نفس الخامس يبقى للرابع من الخمسة والعشرين اثنا عشر ونصف فيساوي الخامس فيها ( و ) يأخذه ( بستة وربع ) حمالة عن السادس ، فإن لقي الخامس السادس أخذه بستة وربع ولم يذكره المصنف لوضوحه ، ولم يذكر هنا أيضا كيفية استيفاء العمل حتى يصير كل واحد من الستة دافعا المائة التي عليه ، وقد ذكرها في توضيحه عن المازري بعض مشايخي فيه تطويل تنفر منه النفوس ، وذكر طريقا قال وإن كان لا يناسب كلام المصنف كل المناسبة فقال إذا لقي البائع أحد المشترين وأخذ منه الستمائة ، ثم لقي هذا الدافع واحدا من شركائه في الشراء طالبه بثلاثمائة مائة تخصه ومائتين بطريق الحمالة لأنه يقول له قد دفعت ستمائة مائة تخصني لا رجوع لي بها وخمسمائة عنك ، وعن أصحابك يخصك منها مائة تبقى أربعمائة عن أصحابنا الأربعة أنت حميل معي بها فلذلك يطالبه بثلاثمائة . فإذا أخذها منه استقر ، أن كل واحد منهما دفع ثلاثمائة وقد علمت تفصيلها ، فإذا لقيا ثالثا طالباه بمائة تخصه وتبقى ثلاثمائة هو معهما حميل بها فيطالبه بمائة منها بالحمالة فيأخذان المائتين فيقتسمانهم ا فيبقى لكل منهما مائة ، وللثالث أيضا مائة ، فإذا لقي هؤلاء الثلاثة رابعا طالبوه بمائة عن نفسه ، ويبقى لهم مائتان هو حميل بهما معهم فيطالبونه بحصته منهما بطريق الحمالة وهي خمسون ، ويتقاسم الثلاثة هذه المائة والخمسين أثلاثا فيبقى لكل خمسون وللرابع أيضا كذلك ، وهي التي دفعها بطريق الحمالة فالباقي مائتان .

فإذا لقي هؤلاء الأربعة خامسا طالبوه بمائة عن نفسه وبعشرين من المائه السادسة لأن الخمسة حملاء بها فتضم هذه العشرون إلى المائة ، ويوزع المجموع على الأربعة فينوب كلا ثلاثون ، ويبقى لكل عشرون ، وللخامس أيضا عشرون ، ومجموعها مائة فيأخذها الخمسة من السادس إذا ظفروا به ويتقاسمونها أخماسا فيظفر كل بمجموع حقه ا هـ . [ ص: 235 ]

( تنبيه ) هذا العمل نحوه عمل الطنيزي ، وقد تعقبه ابن عرفة انظره في الكبير قاله تت في الصغير طفي جعله ما ذكره بعض مشايخه طريقا آخر لا يناسب كلام المصنف ونحوا لعمل الطنيزي وهم ، بل هو صورة من صور التراجع تناسب كلام المصنف وتؤخذ منه وليست طريقا أخرى ، لأن صور التراجع غير منحصرة فيما ذكر .

قال أبو الحسن في شرح المدونة اعلم أن وجوه التراجع لا تنحصر بينهم في عدد ، إذ قد يلتقون على رتب مختلفة وصور شتى لأن صاحب الحق إما أن يلقى جميعهم أو يلقى خمسة منهم أو أربعة أو ثلاثة أو اثنين أو واحدا ، وإذا لقي أربعة منهم أو أقل فأخذ ماله ممن لقي ، فإن ذلك الغريم إما أن يلقى سائرهم مجتمعين أو متفرقين في كل واحد من جانبي الملتقين أو مجتمعين في جانب ومفترقين في آخر والافتراق على أقسام كثيرة ، ثم ذكر كيفية التراجع في هذه الصور إلى أن قال وإن لقي اثنان منهم واحدا رجعا عليه بما أديا عنه من أصل الحق وبثلث ما أديا عن أصحابه بالحمالة ، وإن كانوا ثلاثة فلقوا واحدا رجعوا عليه بما أدوا عنه بحمالة ما أدوا عن أصحابه بالحمالة . ا هـ . باختصار ، وأطال في ذلك فقد ظهر لك أن هذه وجوه مفرعة على طريق الفقهاء وغيرهم لا اختلاف فيها ، وليس شيء منها طريقا مخالفا لغيره ، والخلاف بين الفقهاء والطنيزي حيث لقي أحد الاثنين الثالث على الانفراد ، وكذا من بعده حسبما هو مفروض في كلام عياض وابن عرفة وغير واحد أما إن لقياه معا كما فرض بعض مشايخ تت فلا خلاف فيها ، ولا تنحو لما قال الطنيزي ونص ابن عرفة : وضابط تراجعهم في ثمن ما ابتاعوه متحاملين رجوع كل غارم على من لقيه بما غرم عنه من ثمن ما ابتاعه ، وبما يوجب مساواته إياه فيما غرمه بالحمالة عن غيره ، ثم في رجوعه عليه بذلك على مقتضى حال لقاء الغارم من لقيه فقط أو على مقتضى ما يجب على كل واحد منهما مع كل من غرم لو لقيهم رب الحق مجتمعين قولا الأكثر .

ونقل عياض حيث قال لو لقي ثاني الستة ثالثهم ففيها يأخذه بخمسين قضاها عنه في [ ص: 236 ] خاصته ، وبخمسة وسبعين نصف مائة وخمسين أداها بالحمالة فذلك مائة وخمسة وعشرون ، وعلى هذا حسب كل الفقهاء المسألة في التراجع بينهم . وقال أبو القاسم الطنيزي الفارضي هذا غلط في الحساب والواجب إذا التقى الثالث مع أحد الأولين أن يقول الثالث نحن كأنا اجتمعنا معا باجتماع بعضنا ببعض ، ولو اجتمعنا معا كان المال علينا أثلاثا علي منه مائتان غرمتهما أنت وصاحبك عني خذ مائتك وادفع لصاحبك مائته إذا لقيته وكذا في بقية المسألة .

قلت قبله عياض وغيره وهو غلط في الفقه لأن مآله عدم غرم الثالث شيئا بالحمالة لأن جملة ما غرمه على قوله في لقائه . الثاني مائة وهي واجبة عليه بالشراء واستواؤهما في التزام الحمالة يوجب استواءهما في الغرم بها واستواؤهما فيه يوجب رجوع الثاني على الثالث بما قال الفقهاء




الخدمات العلمية