الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 314 - 315 ] وبجلوس باعة بأفنية الدور للبيع إن خف

التالي السابق


( و ) قضي ( بجلوس باعة ) جمع بائع كحاكة جمع حائك وصاغة جمع صائغ ( بأفنية ) جمع فناء كأبنية جمع بناء ، أي فسحات ( الدور ) بضم الدال جمع دار ، وصلة جلوس ( للبيع ) لا للحديث أو اللعب ( إن خف ) الجلوس للبيع وظاهره لأرباب الدور وغيرهم و قرر به الشارح ، والذي في ابن الحاجب قضى عمر رضي الله تعالى عنه لأرباب الدور ، وبه قرر البساطي وبعض مشايخي قاله تت . [ ص: 316 ]

( تنبيهات ) الأول : ابن عرفة فناء الدار ما بين يدي بنائها فاضلا عن ممر الطريق المعد للمرور غالبا كان بين يدي بابها أو غيره ، وكان بعض يشير إلى أنه ما بين يدي بابها وليس كذلك ، لقولها وإن قسما دارا على أن يأخذ كل واحد طائفة ، فمن صارت له الأجنحة في حظه فهي له ولا تعد من الفناء وإن كانت في هواء الأفنية وفناء الدار لهم أجمعين الانتفاع به .

الحط كأنه لم يقف على نص في تفسير الفناء إلا ما أخذ عن نصها ، وقد صرح به ابن بطال في مقنعه فقال الأفنية دون الدور كلها مقبلها ومدبرها .

الثاني : من سماع ابن القاسم سئل مالك رضي الله تعالى عنه الأفنية التي في الطريق يكريها أهلها أذلك لهم وهو طريق المسلمين ؟ فقال أما كل فناء ضيق إذا وضع فيه شيء أضر بالمسلمين في طريقهم فلا أرى أن يمكن أحد من الانتقاع به وأن يمنعوا وأما كل فناء إن انتفع به أهله فلا يضيق على المسلمين في مرورهم لسعته فلا أرى به بأسا .ابن رشد هذا كما قال إن لأرباب الأفنية أن يكروها ممن يصنع بها ما لا يضيق به الطريق على المارة لأنه إذا كان لهم الانتفاع بها على هذه الصفة ، وكانوا أحق به من غيرهم كان لهم أن يكروها لأن ما كان للرجل الانتفاع به كان له كراؤه ، وهذا مما لم أعلم فيه خلافا . ابن عرفة هذه الكلية غير مسلمة ، لأن بعض ما للرجل الانتفاع به لا يجوز له كراؤه كجلد أضحية وبيت ومدرسة لطالب ونحوهما .

الثالث : سمع ابن القاسم سئل مالك رضي الله تعالى عنهما عمن له داران بينهما رحبة ، وأهل الطريق ربما ارتفقوا به إذا ضاق الطريق عن الأحمال وما أشبهها فدخلوه فأراد أن يجعل عليه نجافا وبابا حتى تكون الرحبة فناء له . ولم يكن عليها باب ولا نجاف فقال ليس ذلك له . ابن رشد هذا كما قال إنه ليس له أن يجعل على الرحبة نجافا ولا بابا ليختص بمنفعتها ويقطع حق الناس منها في الارتفاق بها لأن الأفنية لا تحجر إنما [ ص: 317 ] لأربابها الانتفاع بها وكراؤها فيما لا يضيقها على المارة فيها من الناس .

الرابع : مفهوم إن خف أنه لا يقضى بجلوسهم لما كثر وطال . ابن الحاجب لا يمنع فيما خف الباعة ولا غيرهم . التوضيح احترز بما خف مما يستدام . خليل وعلى هذا لا ينبغي أن يشترى من هؤلاء الذين يفرزون الخشب في الشوارع عندنا لأنهم غصاب للطريق ، وقاله سيدي أبو عبد الله بن الحاج رحمه الله تعالى .

الخامس : روى ابن وهب أنه صلى الله عليه وسلم قال { من اقتطع من طرق المسلمين أو أفنيتهم شبرا من الأرض طوقه الله من سبع أرضين } وقضى عمر بالأفنية لأرباب الدور . ابن حبيب أي بالانتفاع بالمجالس والمرابط والمساطب وجلوس الباعة للبيع الخفيف . ومر عمر رضي الله تعالى عنه بكير حداد في السوق فأمر به فهدم ، وقال يضيقون على الناس السوق ا هـ ، ولعل المراد بالمساطب الدكك التي تبنى إلى جانب الأبواب ، وأمام الحوانيت .

السادس : ابن رشد أفنية الدور المتصلة بالطريق ليست بملك لأرباب الدور كالأملاك المحوزة ، فإذا كان لقوم فناء وغابوا فاتخذ مقبرة ، فمن حقهم أن يعودوا إلى الانتفاع بها للرمي فيها إذا قدموا إلا أن مالكا كره لهم درسها إذا كانت جديدة مسنمة لم تندرس ولم تعف ، لقوله صلى الله عليه وسلم { لأن يمشي أحدكم على الرضف خير له من أن يمشي على قبر أخيه } ، وقوله { الميت يؤذيه في قبره ما يؤذيه في بيته } ، فلو كانت من الأملاك المحوزة ودفن فيها بغير إذنهم كان من حقهم نبشها وتحويلهم إلى مقبرة المسلمين .




الخدمات العلمية