الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وإن أنكر : حلف أنه لم يسقط ولزمه

التالي السابق


( وإن أنكر ) الضامن التأخير حين علمه به ( حلف ) الطالب ( أنه ) أي الطالب ( لم يسقط ) الطالب الحمالة بتأخير المضمون ( ولزمه ) أي الضمان الضامن و سقط التأخير وبقي الدين حالا ، فإن نكل لزمه التأخير وسقطت الكفالة ، هذا هو مذهب ابن القاسم في المدونة . وقال غيره فيها الكفالة ساقطة بكل حال سواء حلف أو نكل . وقيل لازمة بكل حال نقله ابن رشد وابن عرفة ، ونصه وإن أخره مليا فأنكر حميله ففي سقوطه حمالته [ ص: 226 ] وبقائها . ثالثها إن أسقط الحمالة صح تأخيره وإلا حلف ما أخر إلا على بقائها وسقط تأخيره ، وإن نكل لزمه وسقطت الكفالة . الحط غير أنه في النسخة التي رأيت من البيان آثر قوله فإن نكل لزمه التأخير ، والكفالة ساقطة بكل حال ، وكذا نقله عنه أبو الحسن وصاحب الذخيرة ، وقوله بكل حال مشكل لاقتضائه سقوط الكفالة مع حلفه ، وحينئذ لا فرق بينه وبين القول الثاني .

ونقل في التوضيح كلام ابن رشد بلفظ والكفالة ثابتة بكل حال ، واستشكله بأنه مثل القول الثالث ، وكذا نقله الشارح في غالب نسخه وهو مشكل ، فإنه يقتضي أن مذهب ابن القاسم لزوم الكفالة إذا نكل ، وليس كذلك ، ثم قال واستشكله البساطي بوجه آخر ، قال بعد قوله إنها ثابتة بكل حال فيه شيء لأن يمينه على أنه لم يقصد بالتأخير سقوط الكفالة ، فإن نكل فالقياس سقوطها وهو مذهب ابن القاسم في المدونة . ا هـ . وهذا يرتفع بأن الذي في البيان ساقطة بكل حال لا ثابتة ، ويبقى الإشكال من الوجه الذي ذكره في التوضيح ، ولكن على ما في البيان يبقى القول الثاني ، كأنه الأول لا كما قال في التوضيح من كون الثالث كالأول ، ويزول الإشكال مرة واحدة بزوال قوله بكل حال من القول الأول على ما في البيان والظاهر أنه كذلك في النسخ الصحيحة لأن ابن عرفة نقله كذلك ، وكان القول الأول الذي لابن القاسم يفرق بين حلفه فلا يسقط الكفالة ويسقط التأخير ، وبين نكوله فتسقط الكفالة ولا يسقط التأخير وقول غيره سقوطها في الوجهين بمجرد التأخير ، والثالث ثبوتها فيهما والله أعلم .

طفي والذي عليه الناقلون لكلام البيان هو نقل أبي الحسن وصاحب الذخيرة ولا إشكال فيه . وقول " ح " لاقتضائه سقوط الكفالة مع حلفه فيه نظر لأن ابن رشد معترف بسقوطها لقوله أول كلامه ، فإن علم فأنكر لم تلزمه الكفالة ، ويقال للطالب إن أحببت أن تمضي التأخير على أن لا كفالة لك على الكفيل ، وإلا فاحلف أنك إنما أخرته على أن يبقى الكفيل على كفالته ، فإن حلف لم يلزمه التأخير وإن نكل عن اليمين لزمه [ ص: 227 ] التأخير والكفالة ساقطة بكل حال . . . إلخ ولأن حلفه إنما هو ليبطل التأخير حيث بطلت الكفالة كما في نقل " ق " ، وهكذا في نقل أبي الحسن و " ح " اختصره وأخل بما يدل على المطلوب منه .

وقوله وقد قيل إن الكفالة ساقطة بكل حال ليس هو الأول لأن المراد بسقوطها في كل حال في الأول ، أي بقيد الإنكار حلف أم لا ، وهو قول ابن القاسم في المدونة على فهمها . ابن رشد والقول الثاني سقوطها بكل حال لا بقيد الإنكار فعنده أن نفس التأخير مسقط لها ، وهو قول الغير ، فافترق القولان . ونص المدونة فإن لم يرض الكفيل بالتأخير خير الطالب ، فأما إبراء الحميل من حمالته ويصح التأخير ، وإلا لم يكن له ذلك إلا برضا الحميل .

فإن سكت الحميل وقد علم بذلك لزمته الحمالة ، وإن لم يعلم حتى حل أجل التأخير حلف الطالب ما أخره ليبرئ الحميل وثبتت الحمالة . وقال غيره إن كان الغريم مليا وأخره تأخيرا بينا سقطت الحمالة . ا هـ . فأنت ترى قول الغير بسقوط الحمالة غير مقيد بالإنكار ، بل مطلق ولو علم وسكت أو لم يعلم حتى حل التأخير ، بخلاف قول ابن القاسم فقد اتضح لك الحق ، وبان لك أن بين القولين بونا ، وإن كان ابن رشد أتى بهما في قسم الإنكار ، ولا يضرنا ذلك ، لأنه أشار إلى ما في المدونة .

وأما نقل المصنف في توضيحه عن ابن رشد أن الحمالة ثابتة بكل حال ، فتبع فيه ابن عبد السلام ، وهو سبق قلم من ابن عبد السلام ، لأنه لم ينقل كلام ابن رشد على وجهه ، بل اختصره فطغى القلم . وكيف يصح أن يعزي لابن رشد ثبوت الحمالة بكل حال ، وهو قد قال إن علم فأنكر فلا تلزمه الحمالة فتأمل منصفا ، والحق أحق أن يتبع والله الموفق ، وتبعه البناني . تت تنبيه سكت المصنف هنا عن قول ابن رشد ، هذا كله في التأخير الكثير ، وأما اليسير فلا حجة فيه للضامن مع ذكره في توضيحه




الخدمات العلمية