الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5744 ص: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّا قَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَكَمَ فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَحَكَمَ فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي أُرُوشِ الْأَعْضَاءِ بِمَا قَدْ حَكَمَ بِهِ مِمَّا قَدْ جَعَلَهُ فِي الْإِبِلِ، فَكَانَ ذَلِكَ حَيَوَانًا كُلُّهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ، فَلِمَ لَا كَانَ كُلُّ الْحَيَوَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ؟ قِيلَ: قَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي الدِّيَةِ وَفِي الْجَنِينِ بِمَا ذَكَرْتَ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَمِنْهُ مِنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً عَلَى مَا قَدْ ذَكَرْنَا وَشَرَحْنَا فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ فِي وُجُوبِ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ بِأَمْوَالٍ، وَأُبِيحُ وُجُوبُ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ أَمْوَالٍ، فَهَذَانِ أَصْلَانِ مُخْتَلِفَانِ نُصَحِّحُهُمَا وَنَرُدُّ إِلَيْهِمَا سَائِرَ الْفُرُوعِ، فَنَجْعَلُ مَا كَانَ بَدَلًا مِنْ مَالٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ الَّذِي وَصَفْنَا، وَمَا كَانَ بَدَلًا مِنْ غَيْرِ مَالٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدِّيَاتِ وَالْغُرَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا، مِنْ ذَلِكَ: التَّزْوِيجُ عَلَى عَبْدٍ وَسَطٍ أَوْ أَمَةٍ وَسَطٍ، وَالْخُلْعُ عَلَى أُمَّةٍ وَسَطٍ أَوْ عَلَى عَبْدٍ وَسَطٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا وَصَفْنَا أَنَّ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ جَعَلَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةَ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ عَلَى مَا اخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُشْرُ قِيمَةِ الْجَنِينِ إِنْ كَانَ أُنْثَى، وَنِصْفُ عَشْرِ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ ذَكَرًا. وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -]. وَقَالَ آخَرُونَ: نِصْفُ عَشْرِ قِيمَةِ أُمِّ الْجَنِينِ. وَأَجْمَعُوا فِي جَنِينِ الْبَهَائِمِ أَنَّ فِيهِ مَا نَقَصَ أُمَّ الْجَنِينِ، وَكَانَتِ الدِّيَاتُ الْوَاجِبَاتُ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى مَا أَوْجَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَجِبُ فِي أَنْفُسِ الْأَحْرَارِ وَلَا تَجِبُ فِي أَنْفُسِ الْعَبِيدِ، فَكَانَ مَا حُكِمَ فِيهِ بِالْحَيَوَانِ الْمَجْعُولِ فِي الذِّمَمِ هُوَ مَا لَيْسَ بِبَدَلٍ مِنْ مَالٍ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْأَبْدَالِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَرْضَ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ مِنْ مَالٍ لَا يَجِبُ فِيهِ حَيَوَانٌ فِي الذِّمَمِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. شرح معاني الآثار ش: هَذَا السُّؤَالُ وَارِدٌ مِنْ جِهَةِ أَهْلِ الْمَقَالَةِ الْأُولَى عَلَى مَا عَلَّلَ بِهِ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ عَدَمَ جَوَازِ اسْتِقْرَاضِ الْحَيَوَانِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِقْرَاضُهُ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَوِّزُوا السَّلَمَ أَيْضًا فِي الْحَيَوَانِ. حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ تَقُولُونَ: الْحَيَوَانُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَحَكَمَ فِي الدِّيَةِ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَكَذَلِكَ حَكَمَ فِي أُرُوشِ الْأَعْضَاءِ بِمَا قَدْ حَكَمَ بِهِ مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ الْإِبِلِ الْمُعَيَّنَةِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، فَهَذَا كُلُّهُ حَيَوَانٌ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ. فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْحَيَوَانِ كَذَلِكَ؟ فَأَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: قِيلَ لَهُ... إِلَى آخِرِهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَمُلَخَّصُهُ أَنْ يُقَالَ: لَا نُسَلِّمُ اسْتِوَاءَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي كُلِّ الْحَيَوَانِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنَ الصُّوَرِ الْحَيَوَانَ فِيهِ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ؛ فَلِذَلِكَ أُبِيحَ وُجُودُهُ فِي الذِّمَّةِ. وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا الْحَيَوَانُ بَدَلٌ مِنْ مَالٍ فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ؛ لِوُرُودِ النَّهْيِ فِي وُجُوبِهِ فِي الذِّمَّةِ بِأَمْوَالٍ، فَهَذَا أَصْلَانِ تَنْسَحِبُ عَلَيْهِمَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا كَانَ بَدَلًا عَنْ مَالٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَرْضِ فَلَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَمَا كَانَ بَدَلًا عَنْ غَيْرِ مَالٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الدِّيَاتِ وَالْغُرَّةِ. قَوْلُهُ: "مِنْ ذَلِكَ التَّزْوِيجُ" أَيْ: مِمَّا كَانَ بَدَلًا مِنْ غَيْرِ مَالٍ عَلَى أَمَةٍ وَسَطٍ... إِلَى آخِرِهِ، فَالْحَيَوَانُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَيْرِ مَالٍ. قَوْلُهُ: "غُرَّةً عَبْدًا" فَانْتِصَابُ "غِرَّةً" عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ: "قَدْ جَعَلَ"، وَانْتِصَابُ "عَبْدًا" عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: "غِرَّةً" أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: "غُرَّةُ عَبْدٍ" بِإِضَافَةِ الْغُرَّةِ إِلَى الْعَبْدِ. قَوْلُهُ: "وَقَالَ آخَرُونَ" أَيْ: جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَرَادَ بِهِمُ: اللَّيْثَ وَمَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ؛ فَإِنَّهُمْ عِنْدَهُمُ الْوَاجِبُ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا مِنْ وَجْهٍ، وَضَمَانُ الْأَجْزَاءِ يُعْلَمُ مِنَ الْأَصْلِ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية