الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5184 5185 ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا أصبغ بن الفرج ، قال: ثنا علي بن عباس ، عن أبان بن تغلب ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، قال: " كان رسول الله -عليه السلام- إذا بعث سرية قال: "لا تقتلوا شيخا كبيرا". .

                                                قال أبو جعفر - رحمه الله -: ففي هذا الحديث المنع من قتل الشيوخ، وقد قال رسول الله -عليه السلام- في حديث مرقع بن صيفي في المرأة المقتولة: "ما كانت هذه تقاتل"،

                                                [ ص: 244 ] فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ولكن لما روي حديث دريد هذا وهذه الأحاديث الأخر وجب أن تصحح ولا يدفع بعضها بعضا، والنهي من رسول الله -عليه السلام- في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب من قتال ولا رأي.

                                                وحديث دريد على الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب كما كان لدريد ، فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا يقاتلون؛ لأن تلك المعونة التي تكون منهم أشد من كثير القتال، ولعل القتال لا يلتئم لمن يقاتل إلا بها، فإذا كان ذلك كذلك قتلوا، والدليل على ذلك قول رسول الله -عليه السلام- في حديث رباح أخي حنظلة ، في المرأة المقتولة: "ما كانت هذه تقاتل" أي: فلا تقتل؛ لأنها لا تقاتل، فإذا قاتلت قتلت وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها، وفي قتلهم دريد بن الصمة للعلة التي ذكرنا دليل أنه لا بأس بقتل المرأة إذا كانت أيضا في تدبيرها لأمور الحرب كالشيخ الكبير في تدبيره لأمور الحرب، فهذا الذي ذكرنا هو الذي يوجبه تصحيح معاني هذه الآثار.

                                                وقد نهى رسول الله -عليه السلام- عن قتل أصحاب الصوامع:

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا بشر بن عمر ، قال: ثنا إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن حصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: " ، أن رسول الله -عليه السلام- كان إذا بعث جيوشه قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع". .

                                                فلما جرت سنة رسول الله -عليه السلام- على ترك قتل أصحاب الصوامع الذين قد حبسوا أنفسهم عن الناس وانقطعوا عنهم، وأمن المسلمون من ناحيتهم؛ دل ذلك على أن كل من أمن المسلمون من ناحيته من شيخ فان أو امرأة أو صبي؛ كذلك أيضا لا يقتلون، فهذا وجه هذا الباب. وهو قول محمد بن الحسن، ، وهو قياس قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، - رحمهما الله -.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث بريدة بن الحصيب؛ فإن فيه النهي صريحا عن قتل الشيخ الكبير.

                                                [ ص: 245 ] وأخرجه بعين هذا الإسناد في الباب الذي قبله، ولكن متن الحديث هناك: "كان رسول الله -عليه السلام- إذا بعث سرية قال لهم: لا تقتلوا وليدا ولا امرأة"، ومتنه ها هنا: "إذا بعث سرية قال: لا تقتلوا شيخا كبيرا"، والظاهر أن هذا من تتمة ذاك.

                                                ثم وجه التوفيق بينه وبين حديث دريد بن الصمة: أن ما وقع في حديث دريد محمول على قتل الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا تدبير في أمور الحرب، فبهذا المعنى يرتفع التضاد بين هذه الأحاديث.

                                                فإذا كان الأمر كذلك يقتل الشيخ الذي له رأي في أمور الحرب، وتقتل المرأة التي لها رأي أو كانت ممن يقاتل، والذي لا رأي له ولا يقاتل لا يقتل كالصبي والمجنون وأصحاب الصوامع، فإنهم أيضا لا يقاتلون، والناس من جهتهم آمنون، وعن هذا قال الثوري: لا يقتل الشيخ ولا المرأة ولا المقعد ولا الطفل.

                                                وقال الأوزاعي: لا يقتل الحراث ولا الزراع ولا الشيخ الكبير ولا المجنون ولا الراهب ولا المرأة.

                                                ثم إن من قاتل من هؤلاء قتل لا محالة، وعليه جمهور الفقهاء. وممن رأى ذلك: الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور .

                                                واختلفوا في قتل النساء والصبيان إذا قاتلوا، فالجمهور على أنهم إذا قاتلوا قتلوا.

                                                فإن قيل: أخرج أبو داود والترمذي: من حديث سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم"، فإنه عام يتناول الشيخ الكبير الذي له رأي والذي لا رأي له.

                                                قلت: هو أيضا محمول على الشيوخ الذين لهم رأي وتدبير في أمور الحرب؛ فإن الرأي الذي يحصل من الشيخ الكبير أشد في الحرب من القتال، ويقال: أراد بالشيوخ البالغين؛ بدليل ذكر الشرخ في مقابلتهم، فإن المراد من الشرخ الصغار الذين لم يدركوا، فصار تأويل الخبر: اقتلوا البالغين واستبقوا الصبيان.

                                                [ ص: 246 ] قلت: الشرخ - بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفي آخره خاء معجمة - جمع شارخ كركب جمع راكب وصحب جمع صاحب، ويقال: هو مصدر يقع على الواحد والمثنى والجمع.

                                                وشرخ الشباب: أوله، وقيل: نضارته وقوته.

                                                قوله: "وقد نهى رسول الله -عليه السلام- عن قتل أصحاب الصوامع..." إلى آخره، ذكر هذا شاهدا لقوله، فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، وأصحاب الصوامع لا يقاتلون؛ لأن الناس آمنون من جهتهم؛ لأنهم قد حبسوا أنفسهم عن الناس وانقطعوا للعبادة في زعمهم حتى إذا كانوا ذوي رأي وتدبير في الحرب يقتلون، وهذا لا خلاف فيه.

                                                وقوله: "حدثنا ابن مرزوق..." إلى آخره، بيان لقوله: "وقد نهى رسول الله -عليه السلام- عن قتل أصحاب الصوامع".

                                                وإسناده صحيح ورجاله ثقات.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن شيخ من أهل المدينة مولى لبني عبد الأشهل، عن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس: "أن النبي -عليه السلام- كان إذا بعث جيوشه، قال: لا تقتلوا أصحاب الصوامع" انتهى.

                                                وأراد بهم: الرهابين والمنقطعين فيها.

                                                والصوامع: جمع صومعة، وهي متعبد النصارى. وذكرها الجوهري في باب "صمع"، فقال: أتانا بثريدة مصمعة: إذا دققت وحدد رأسها، وصومعة النصارى فوعلة من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس.

                                                ...




                                                الخدمات العلمية