الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5733 ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب ، قال: أخبرني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي رافع: " ، أن رسول الله -عليه السلام- استسلف من رجل بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا جملا خيارا رباعيا، فقال: أعطه إياه]؛ إن خيار الناس أحسنهم قضاء". .

                                                التالي السابق


                                                ش: رجاله كلهم رجال الصحيح.

                                                وأخرجه مسلم: عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ، عن مالك ... إلى آخره نحوه.

                                                وعن أبي كريب ، عن خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء .

                                                قوله: "استسلف" من قولهم: استسلفت منه دراهم، وتسلفت فأسلفني.

                                                قوله: "بكرا"، بفتح الباء وهو الفتي من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بكرة، وقد يستعار للناس.

                                                قوله: "إلا جملا خيارا" أي مختارا جيدا. قال صاحب "العين": ناقة خيار وجمل خيار، والجمع خيار أيضا، وكذلك ناقة هجان وهي الكريمة، وإبل هجان بلفظ واحد.

                                                [ ص: 110 ] "رباعيا" بفتح الراء وتخفيف الباء، يقال للذكر من الإبل إذا طلعت رباعيته: رباع، والأنثى رباعية بالتخفيف، وذلك إذا دخلا في السنة السابعة.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: احتج به قوم على جواز استقراض الحيوان على ما يجيء.

                                                الثاني: فيه ما يدل أن المقرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما أقرضه جنسا أو كيلا أو وزنا أن ذلك معروف، وأنه يطيب له أخذه منه؛ لأنه -عليه السلام- أثنى فيه على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.

                                                قلت: هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن غير شرط منهما في حين السلف، وقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم -عليه السلام- أن اشتراط الزيادة في السلف ربا.

                                                الثالث: فيه دليل على أن للإمام أن يستسلف للمساكين على الصدقات ولسائر المسلمين على بيت المال؛ لأنه كالوصي لجميعهم والوكيل، ومعلوم أنه -عليه السلام- لم يستسلف ذلك لنفسه؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة، ومعلوم أن الصدقة محرمة عليه لا يحل له أكلها ولا الانتفاع بها.

                                                فإن قيل: فلم أعطى من أموالهم أكثر مما استقرض لهم؟

                                                قلت: هذا الحديث دليل على أنه جائز للإمام إذا استقرض للمساكين أن يرد من مالهم أكثر مما أخذ على وجه النظر والصلاح إذا كان على غير شرط.

                                                فإن قيل: إن المستقرض منه غني والصدقة لا تحل لغني!

                                                قلت: قد يحتمل أن يكون المستقرض منه قد ذهبت إبله بنوع من جوائح الدنيا، فكان في وقت صرف ما أخذ منه إليه فقيرا تحل له الزكاة، فأعطاه النبي -عليه السلام- خيرا من بعيره بمقدار حاجته، وجمع في ذلك وضع الصدقة في موضعها وحسن القضاء.

                                                ويحتمل أن يكون غارما أو غازيا ممن تحل له الصدقة من الأغنياء.

                                                الرابع: فيه حجة لمن يوجب على من استهلك شيئا من الحيوان مثله إن وجد له مثل لا قيمة.

                                                [ ص: 111 ] قالوا: وكما يكون له مثل في القضاء فكذلك يكون له مثل في الضمان عن الاستهلاك.

                                                وممن قال بالمثل في المستهلكات كلها: الشافعي وأحمد وداود وجماعة.

                                                وأما مالك فقد قال: من استهلك شيئا من الحيوان بغير إذن صاحبه فعليه قيمته ليس عليه أن يؤخذ بمثله من الحيوان.

                                                الخامس: فيه أن التداين في البر والطاعات والمباحات جائز، وإنما يكره التداين في الإسراف وما لا يجوز، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية