الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5201 5203 5204 5205 ص: حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا عبد الله بن يوسف ، قال: ثنا يحيى بن حمزة ، قال: حدثني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، أن أباه أخبره: " أنه سأل مكحولا: : ( أيخمس السلب؟ فقال: حدثني أنس بن مالك ، -رضي الله عنه- أن البراء بن مالك بارز رجلا من عظماء فارس ، فقتله، فأخذ البراء سلبه، ، فكتب فيه إلى عمر . -رضي الله عنه-، فكتب عمر -رضي الله عنه- إلى الأمير: أن اقبض إليك خمسه وادفع إليه ما بقي، فقبض الأمير خمسه.

                                                فهذا مكحول قد ذهب أيضا في الأسلاب إلى ما ذكرنا.

                                                [ ص: 271 ] وقد حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن ابن شهاب ، عن القاسم بن محمد، قال: "سمعت رجلا يسأل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال ابن عباس: : -رضي الله عنهما-: الفرس من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس: -رضي الله عنهما- ذلك أيضا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله - عز وجل - في كتابه ما هي؟ قال القاسم: : فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه".

                                                حدثنا ابن مرزوق ، قال: ثنا أبو عامر ، قال: ثنا مالك ، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد: " ، أن رجلا سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال: الفرس والسلب من الأنفال".

                                                حدثنا يونس وربيع المؤذن ، قالا: ثنا بشر بن بكر ، قال: حدثني الأوزاعي ، قال: أخبرني الزهري ، عن القاسم بن محمد ، عن ابن عباس قال: " كنت جالسا عنده فأقبل رجل من أهل العراق ، فسأله عن السلب، فقال: السلب من النفل، وفي النفل الخمس". .

                                                فهذا ابن عباس: -رضي الله عنهما- جعل في السلب الخمس، وجعله من الأنفال، وقد كان علم من رسول الله -عليه السلام- ما قد ذكرناه في أول الباب من تسليمه إلى الزبير سلب القتيل الذي كان قتله.

                                                فدل ذلك أن ما تقدم من رسول الله -عليه السلام- يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخا، وأن ما قضى به من سلب القتيل الذي قتله الزبير ، -رضي الله عنه- إنما لقول كان تقدم منه أو لمعنى غير ذلك.

                                                فهذا حكم هذا الباب من طريق تصحيح معاني الآثار.

                                                التالي السابق


                                                ش: ذكر هذا أيضا شاهدا لصحة ما قاله أهل المقالة الثانية من أن السلب لا يجب للقاتل إلا بقول الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه؛ وذلك لأن مكحولا روى عن أنس ما يدل على ذلك، وأنه ذهب في الأسلاب إلى ما ذكر هؤلاء، وكذلك ذكر القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنهم- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما يدل على ما ذكروه؛ لأنه جعل في السلب الخمس وجعله من جملة الأنفال، والحال أنه قد كان

                                                [ ص: 272 ] علم من النبي -عليه السلام- من تسليمه إلى الزبير بن العوام سلب القتيل الذي كان قتله على ما مر ذكره في أول الباب، فدل ذلك أن ما تقدم من النبي -عليه السلام- يوم بدر لم يكن عند ابن عباس منسوخا، وأن ما حكم به النبي -عليه السلام- من سلب القتيل الذي قتله الزبير إنما كان لأجل قوله -عليه السلام-: "من قتل قتيلا فله سلبه"، أو لتخصيصه الزبير في ابتداء الأمر بسلب من يقتله، أو معنى غير ذلك.

                                                ثم اختلف العلماء في تخميس السلب. فقال ابن قدامة: لا يخمس السلب. روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير الطبري .

                                                وقال ابن عباس: يخمس. وبه قال الأوزاعي ومكحول؛ لعموم قوله تعالى: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه

                                                وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب خمسه وذلك إليه، ثم قال: إذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة.

                                                وقال مالك: يحتسب من خمس الخمس.

                                                ثم إسناد حديث أنس صحيح ورجاله ثقات.

                                                ويحيى بن حمزة بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي روى له الجماعة.

                                                وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان الدمشقي الزاهد، وثقه دحيم وأبو حاتم وابن حبان، وضعفه العجلي، وروى له الأربعة.

                                                وأبوه ثابت بن ثوبان الشامي العنسي الدمشقي، وثقه يحيى. وقال العجلي: لا بأس به.

                                                وأما حديث ابن عباس فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

                                                الأول: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن مالك بن أنس ، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق .

                                                [ ص: 273 ] وأخرجه مالك في "موطئه": عن ابن شهاب ، عن القاسم بن محمد، أنه قال: "سمعت رجلا يسأل عبد الله بن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل، والسلب من النفل، قال: ثم عاد لمسألته فقال ابن عباس ذلك أيضا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد أن يحرجه. ثم قال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-".

                                                الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن مالك ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن القاسم بن محمد ، عن أبي بكر الصديق .

                                                الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى وربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي كلاهما، عن بشر بن بكر التنيسي ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن القاسم بن محمد .

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا الضحاك بن مخلد ، عن الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، عن القاسم قال: "سئل ابن عباس عن السلب؟ فقال: لا سلب إلا من النفل، وفي النفل الخمس".

                                                وأخرجه البيهقي: من حديث قبيصة ، عن سفيان ، عن الأوزاعي، عن الزهري ، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس قال: "السلب من النفل، والنفل من الخمس".

                                                قوله: "الفرس من النفل" أي: من الغنيمة.

                                                وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال ابن قدامة: الدابة وما عليها من السلب إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من الثياب والسلاح وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب.

                                                [ ص: 274 ] وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى: أن الدابة ليست من السلب. وقال أيضا: الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وجميع آلتها من السلب إذا كان راكبا عليها، فإن كانت في منزله أو مع غيره لم تكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه، فإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أسعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب. وهكذا قول الأوزاعي .

                                                وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها، فعن أحمد فيها روايتان:

                                                إحداهما: هي من السلب، وهو قول الشافعي .

                                                والثانية: ليست من السلب، وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار الخلال .

                                                قوله: "حتى كاد يحرجه" أي: يضيق عليه ويوقعه في الحرج.

                                                قوله: "مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-" وهو صبيغ بن عسل التميمي، وكان قدم المدينة وسأل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عن متشابه القرآن، وكانت عنده كتب؛ فضربه عمر -رضي الله عنه- حتى أدماه.

                                                وذكر حماد بن زيد بإسناده: "لقد رأيت صبيغا بالبصرة كأنه بعير أجرب يجيء إلى الحلق فكلما جلس إلى حلقة قاموا وتركوه".

                                                وروى سعيد بن المسيب قال: "جاء صبيغ إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن والذاريات قال: الرياح، قال: فأخبرني عن فالحاملات وقرا فقال: هي السحاب، قال: فأخبرني عن فالجاريات قال: هي السفن، ثم أمر به فضرب مائة، وجعله في بيت، فلما برئ، ضربه مائة أخرى، وحمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى: امنع الناس من مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه مما كان، فكتب

                                                [ ص: 275 ] بذلك أبو موسى إلى عمر، فكتب إليه عمر -رضي الله عنه-: ما إخاله صدق، حل بينه وبين مجالسة الناس".




                                                الخدمات العلمية