الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5311 5312 5313 ص: وخالفهم في ذلك آخرون؛ منهم أبو حنيفة، فقالوا: لا تكون الأرض للذي يحييها إلا بأمر الإمام له في ذلك وجعلها له، وقالوا: ليس ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مما ذكرنا في هذا الباب يدافع ما قلنا؛ لأن ذلك الإحياء الذي جعل به رسول الله -عليه السلام- الأرض التي أحياها في هذا الحديث لم يفسر لنا ما هو، فقد يجوز أن يكون هو ما فعل من ذلك بأمر الإمام، فيكون قوله: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" أي: من أحياها على شرائط الإحياء فهي له، ومن شرائطه تحظيرها وإذن الإمام له فيها وتمليكه إياها، فقد يجوز أن يكون هذا هو معنى هذا الحديث، ويجوز أن يكون على ما تأوله أبو يوسف ومحمد إلا أنه لا يجوز أن يقطع على رسول الله -عليه السلام- بالقول أنه أراد معنى إلا بالتوقيف منه أو بإجماع ممن بعده أنه أراد ذلك المعنى.

                                                فنظرنا إذ لم نجد في هذا الحديث حجة لأحد الفريقين في غيره من الأحاديث، هل فيها ما يدل على شيء من ذلك؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: أنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة ، قال: سمعت رسول الله -عليه السلام- يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله".

                                                حدثنا يزيد وابن أبي داود ، قالا: ثنا سعيد بن منصور ، قال: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة: " ، أن رسول الله -عليه السلام- حرم النقيع، وقال: لا حمى إلا لله ورسوله".

                                                [ ص: 442 ] حدثنا ابن أبي داود ، قال: ثنا علي بن عياش ، قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: " لا حمى إلا لله ولرسوله". .

                                                فلما قال رسول الله -عليه السلام-: "لا حمى إلا لله ولرسوله" - والحمى: ما حمي من الأرض - دل ذلك أن حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأن حكم ذلك غير حكم الصيد، وقد بينا ما يحتمل الخبر الأول، فكان أولى الأشياء بنا أن نحمل وجهه على ما لا يخالف هذا الأثر الثاني.

                                                التالي السابق


                                                ش: أي خالف أولئك الذاهبين المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: مكحولا الشامي ومحمد بن سيرين وابن المسيب والنخعي؛ فإنهم قالوا: من أحيا مواتا لا يكون له إلا بإذن الإمام له فيه. وبه قال أبو حنيفة .

                                                ومذهب مالك على التفصيل، فقال: أما ما يتشاح الناس فيه مما يقرب من العمران فإنه لا يكون لأحد إلا بقطيعة الإمام، وأما ما كان في الصحاري وغير العمران فهو لمن أحياه، فإن تركه، عاد كما كان فقد صار أيضا لمن أحياه وسقط ملكه عنه.

                                                وهكذا قال في الصيد يتملك ثم يتوحش فإنه لمن أخذه، فإن كان في أذنه شنف أو نحو ذلك فالشنف للذي كان له والصيد لمن أخذه. وقال الحسن بن حي: ليس الموات إلا في أرض العرب فقط.

                                                قوله: "وقالوا: ليس فيما روي..." إلى آخره، جواب عن الأحاديث المذكورة التي احتجت بها أهل المقالة الأولى، فيما ذهبوا إليه، بيانه: أن الاستدلال لا يتم بها؛ لأن معناها يحتمل ما قال هؤلاء، ويحتمل أن يكون معناها بأمر الإمام، فإذا كان كذلك لا يكون فيها حجة لأحد الفريقين؛ لأن القطع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقول:

                                                [ ص: 443 ] إنه أراد معنى مخصوصا من ذلك لا يجوز إلا بدليل يدل عليه، فلما كان كذلك نظرنا في ذلك فوجدنا حديثيالصعب بن جثامة وأبي هريرة -رضي الله عنه- يدلان على أن الحكم في الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم؛ فبينا حينئذ ما تحتمل الأحاديث الأول وترجح بهذا أحد الاحتمالين المذكورين وهو: أن معناها بأمر الإمام، فبهذا حصل التوافق بين هذه الآثار كلها، ولم يبق فيها ما يخالف بعضها بعضا.

                                                ثم إنه أخرج حديث الصعب بن جثامة من طريقين:

                                                الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح: عن يونس بن عبد الأعلى شيخ مسلم ، عن سفيان بن عيينة ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ، عن الصعب .

                                                وأخرجه مسلم: عن يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد ، عن سفيان ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه أبو داود: عن ابن السرح ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد بن عبد الله ... إلى آخره نحوه.

                                                الثاني: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، وعن إبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن سعيد بن منصور الخراساني ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد - بالنون - فيه مقال، عن عبد الرحمن بن الحارث ، عن الزهري ... إلى آخره.

                                                وأخرجه أبو داود: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد ، عن

                                                [ ص: 444 ] عبد الرحمن بن الحارث ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن الصعب بن جثامة: "أن رسول الله -عليه السلام- حمى النقيع، وقال: لا حمى إلا لله - عز وجل -".

                                                قوله: "لا حمى" حمى على وزن فعل - بكسر الفاء وفتح العين - بمعنى محمي أي محظور لا يقرب، وأحميت المكان: جعلته حمى، وقال الكسائي: سمعت في تثنيته: حموان، والوجه: حميان، وأصل الكلمة من حميته حماية أي: دفعت عنه، وهذا شيء حمى.

                                                قال ابن الأثير: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضا في حيه استعوى كلبا فحمى مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون فيه، فنهى النبي -عليه السلام- عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله؛ أي: إلا ما يحمى للخيل التي تنصب للجهاد، والإبل التي يحمل عليها في سبيل الله، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- النقيع لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله تعالى.

                                                وقال الخطابي: "لا حمى إلا لله ولرسوله" يريد لا حمى على معنى ما أباحه رسول الله -عليه السلام- على الوجه الذي حماه.

                                                قوله: "حرم النقيع" - بفتح النون وكسر القاف - وهو موضع قريب من المدينة كان يستنقع فيه الماء - أي: يجتمع - ويقال: بينه وبين المدينة عشرون ميلا، وقيل: عشرون فرسخا، ومساحته بريد في بريد، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قد حماه لنعم الفيء وخيل المجاهدين فلا يرعاه غيرها، وقال الخطابي: النقيع مكان معروف مستنقع للمياه ينبت فيه الكلأ، حماه رسول الله -عليه السلام- لمهازيل إبل الصدقة ولضعف الخيل.

                                                وأخرج حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن علي بن عياش - بالياء آخر الحروف والشين المعجمة - بن مسلم الألهاني الحمصي شيخ البخاري ، عن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي الحمصي روى

                                                [ ص: 445 ] له الجماعة، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان روى له الجماعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج روى له الجماعة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

                                                وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي، نا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج، عن أبي هريرة ، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "لا حمى إلا لله ولرسوله".

                                                وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد.




                                                الخدمات العلمية