الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5675 5676 5677 ص: فإن احتج محتج في ذلك بقول الله - عز وجل -: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد

                                                [ ص: 60 ] قيل له: قد روي في تأويل هذا عن المتقدمين ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم ، عن عبد الله بن مسلم ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:" سواء العاكف فيه والباد قال: خلق الله فيه سواء".

                                                حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو حذيفة ، قال: ثنا سفيان ، عن أبي حصين، قال: " أردت أن أعتكف فسألت سعيد بن جبير وأنا بمكة، ، فقال: أنت عاكف، ثم قرأ: سواء العاكف فيه والباد ".

                                                حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبد الملك، عن عطاء قال:" سواء العاكف فيه والباد قال: الناس في البيت سواء، ليس أحد أحق به من أحد".

                                                فثبت بذلك أنه إنما قصد بذلك إلى البيت أو إلى المسجد الحرام ، لا إلى سائر مكة. ،

                                                وهذا قول أبي يوسف - رحمه الله -.

                                                التالي السابق


                                                ش: لما احتج بعض أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه بقوله تعالى: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ذكر ذلك الطحاوي ثم أجاب عنه.

                                                أما بيان احتجاجهم فهو أن الله تعالى جعل المسجد الحرام للناس سواء العاكف فيه والبادي، فمقتضاه أن يتساووا كلهم في سكناه والمقام فيه.

                                                وإذا ثبت ذلك وجب أن لا يجوز بيعه؛ لأن لغير المشتري سكناه كما للمشتري، ولا يصح للمشتري تسليمه والانتفاع به حسب الانتفاع بالأملاك، وهذا يدل على أنه غير مملوك.

                                                فإن قيل: يحتمل أنه يريد به أنهم متساوون في وجوب اعتقاد تعظيمه وحرمته.

                                                قيل له: هو على الأمرين جميعا من اعتقاد تعظيمه وحرمته، ومن يساويهم في سكناه والمقام به.

                                                [ ص: 61 ] وأما الجواب عنه: فهو أنه روي في تأويل هذه الآية عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح -رضي الله عنهم- ما يدل على أن المراد من قوله: الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد وهو البيت نفسه أو المسجد الحرام نفسه، وليس المراد منه سائر مكة.

                                                فإذا كان كذلك لا يتساوى الناس في غير المسجد الحرام؛ لأن بعضهم يكونون ملاكا وبعضهم يكونون سكانا، فالمالك يجوز له بيع ملكه وإجارته ونحوهما فافهم.

                                                ويخدش هذا: ما روي عن ابن عباس أيضا قال: كانوا يرون الحرم كله مسجدا سواء العاكف فيه والبادي.

                                                وروى يزيد بن زياد ، عن عبد الرحمن بن سابط: سواء العاكف فيه والباد قال: من يجيء من الحاج والمعتمرين سواء في المنازل، ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من ساكنه".

                                                قال: وقال ابن عباس في قوله:" سواء العاكف فيه والباد قال: العاكف: فيه أهله، والبادي: من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء".

                                                وروى الثوري ، عن منصور ، عن مجاهد، قال: قال عمر -رضي الله عنه-: "يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء".

                                                وروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أن عمر -رضي الله عنه- نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج".

                                                وروى ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمر قال: "من أكل من كراء بيوت أهل مكة فإنما يأكل نارا في بطنه".

                                                وروى عثمان بن الأسود، عن عطاء، قال: "يكره بيع بيوت مكة وكراها".

                                                [ ص: 62 ] وقال أبو بكر الجصاص - رحمه الله -: لم يتأول السلف المسجد الحرام على الحرم كله إلا والاسم شامل له من طريق الشرع، إذ غير جائز أن تتأول الآية على معنى لا يحتمله اللفظ، وفي ذلك دليل على أنهم قد علموا وقوع اسم المسجد على الحرم من طريق التوقيف، ويدل عليه قوله تعالى: إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام والمراد - فيما روي -: الحديبية، وهي بعيدة من المسجد قريبة من الحرم، وروي أنها على شفير الحرم.

                                                وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: "أن النبي -عليه السلام- كان مضربه في الحل ومصلاه في الحرم"، وهذا يدل على أنه أراد بالمسجد الحرام ها هنا الحرم كله، ويدل عليه قوله تعالى: يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والمراد إخراج المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة فجعل المسجد الحرام عبارة عن الحرم، ويدل أن المراد جميع الحرم كله قوله: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم والمراد به من انتهك حرمة الحرم بالظلم فيه.

                                                وإذا ثبت ذلك اقتضى بقوله: سواء العاكف فيه والباد تساوي الناس كلهم في سكناه والمقام فيه، والله أعلم.

                                                ثم أثر ابن عباس: أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق ، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز المكي فيه مقال، فعن أحمد: ضعيف ليس بشيء. وعن يحيى والنسائي: ضعيف. وقال عمرو بن علي: ليس بشيء.

                                                [ ص: 63 ] وأثر سعيد بن جبير: أخرجه عن ابن مرزوق أيضا، عن أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي البصري شيخ البخاري ، عن سفيان الثوري ، عن أبي حصين - بفتح الحاء وكسر الصاد - اسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، روى له الجماعة.

                                                وأثر عطاء: أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن مسدد شيخ البخاري ، عن يحيى بن سعيد القطان ، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدا، والله أعلم.

                                                ***




                                                الخدمات العلمية