الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                5252 5253 5254 5255 ص: وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الحديث حديث منقطع ليس كما رواه عبد الأعلى وأصحابه البصريون عن معمر، إنما أصله:

                                                ما حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا أخبره، عن ابن شهاب أنه قال: "بلغنا أن رسول الله -عليه السلام- قال لرجل من ثقيف - أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة -: أمسك منهن أربعا وفارق سائرهن".

                                                [ ص: 367 ] وحدثنا أحمد بن داود المكي ، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا مالك ، عن ابن شهاب (ح).

                                                وحدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا يعقوب بن حميد ، قال: ثنا ابن عيينة ، عن معمر ، عن ابن شهاب ، عن النبي -عليه السلام- مثله.

                                                حدثنا أحمد ، قال: ثنا يعقوب ، قال: ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن النبي -عليه السلام- مثله.

                                                فهذا هو أصل هذا الحديث كما رواه مالك عن الزهري، ، وكما رواه عبد الرزاق ، وابن عيينة ، عن معمر ، عن الزهري، ، وقد رواه أيضا عقيل ، عن الزهري ، بما يدل على الموضع الذي أخذه الزهري منه.

                                                حدثنا نصر بن مرزوق ، وابن أبي داود، قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح ، قال: حدثني الليث ، قال: حدثني عقيل ، عن ابن شهاب، قال: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد: " ، أن رسول الله -عليه السلام- قال لغيلان بن سلمة الثقفي ، حين أسلم وتحته عشر نسوة: خذ منهن أربعا وفارق سائرهن". .

                                                فبين عقيل في هذا عن الزهري ، مخرج هذا الحديث، وأنه إنما أخذه عما بلغه عن عثمان بن محمد ، عن النبي -عليه السلام-، فاستحال أن يكون الزهري عنده في هذا شيء عن سالم ، عن أبيه فيدع الحجة به ويحتج بما بلغه عن عثمان بن محمد بن أبي سويد ، عن النبي -عليه السلام-، ولكن إنما أتي معمر في هذا أنه كان عنده عن الزهري ، في قصة غيلان حديثان هذا أحدهما.

                                                والآخر: عن سالم ، عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة ، طلق نساءه وقسم ماله، فبلغ ذلك عمر ، -رضي الله عنه- فأمره أن يرتجع نساءه وماله، وقال: لو مت على ذلك لرجمت قبرك كما رجم قبر أبي رغال في الجاهلية".

                                                فأخطأ معمر ، فجعل إسناد هذا الحديث الذي فيه كلام عمر ، -رضي الله عنه- للحديث الذي فيه كلام رسول الله -عليه السلام-، ففسد هذا الحديث من جهة الإسناد.

                                                [ ص: 368 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 368 ] ش: أي وكان من الدليل والبرهان لأهل المقالة الثانية فيما ذهبوا إليه أن هذا الحديث - يعني حديث غيلان - حديث منقطع، ليس كما رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري، وإنما أصله مثل ما رواه مالك عن الزهري أنه قال: "بلغنا أن رسول الله -عليه السلام- قال لرجل..." الحديث. وكذلك رواه منقطعا عبد الرزاق وسفيان بن عيينة كلاهما، عن معمر ، عن الزهري .

                                                وقد بين أصل هذا الحديث في الانقطاع ومخرجه عقيل بن خالد الأيلي في روايته عن الزهري أنه قال: "بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لغيلان بن سلمة..." الحديث.

                                                فبين عقيل مخرج هذا الحديث، وأن الزهري إنما أخذه عن عثمان بن محمد .

                                                فإذا كان كذلك؛ يكون من المحال أن يكون عند الزهري في هذا شيء عن سالم بن عبد الله عن أبيه فيترك الاحتجاج به ويحتج بما بلغه عن عثمان بن محمد ، عن النبي -عليه السلام-، فبان من هذا انقطاع الحديث المذكور وفساد سنده، والآفة فيه عن معمر؛ لأنه كان عنده عن الزهري في قصة غيلان حديثان، أحدهما الحديث المذكور، والثاني عن سالم عن أبيه: "أن غيلان بن سلمة طلق نساءه وقسم ماله..." الحديث، فأخطأ معمر، فأخلط إسناد الحديثين بعضهما ببعض، فجعل إسناد الحديث الذي فيه كلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للحديث الذي فيه كلام رسول الله -عليه السلام-؛ ففسد الحديث المذكور حينئذ من جهة الإسناد؛ فلم يبق حجة لما ذهب إليه أهل المقالة الأولى، وعن هذا قال أبو عمر بن عبد البر: الأحاديث في هذا الباب كلها معلولة وليست أسانيدها بالقوية، وقال الترمذي عقيب روايته الحديث المذكور: هكذا رواه معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما رواه شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري قال: حدثت عن محمد بن أبي سويد الثقفي: "أن غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة".

                                                [ ص: 369 ] قال محمد: وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه: "أن رجلا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر -رضي الله عنه-: لتراجعن نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغال" انتهى.

                                                وقال مسلم بن الحجاج: أهل اليمن أعرف بحديث معمر، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثا وإلا فالإرسال أولى.

                                                يعني أن أهل البصرة تفردوا بإسناده.

                                                وقد أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس، وإسناده ضعيف.

                                                وذكر صاحب التمهيد الحديث المذكور من طريق عمر متصلا، ثم قال: يقولون: إنه من خطأ معمر، ومما حدث به بالعراق من حفظه وصحيح حديثه ما حدث باليمن من كتبه.

                                                ثم إنه أخرج حديث الزهري من خمس طرق:

                                                الأول: رجاله كلهم رجال الصحيح، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن عبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ... إلى آخره.

                                                وأخرجه مالك في "موطئه".

                                                الثاني: عن أحمد بن داود المكي ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن مالك .

                                                الثالث: عن أحمد بن داود أيضا، عن يعقوب بن حميد بن كاسب المدني ، عن سفيان بن عيينة ، عن معمر بن راشد ، عن ابن شهاب .

                                                الرابع: عن أحمد بن داود أيضا، عن يعقوب بن حميد ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري .

                                                الخامس: عن نصر بن مرزوق وإبراهيم بن أبي داود البرلسي كلاهما، عن

                                                [ ص: 370 ] أبي صالح عبد الله بن صالح كاتب الليث ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل - بضم العين - بن خالد الأيلي ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد ... إلى آخره.

                                                وعثمان هذا ذكره ابن حبان في التابعين الثقات، وقال: يروي المراسيل، روى عنه الزهري .

                                                وقال أبو عمر بن عبد البر: رواه جماعة من رواة "الموطأ": عن مالك ، عن ابن شهاب، أنه قال: "بلغني أن رسول الله -عليه السلام- قال لرجل من ثقيف..." الحديث. وكذا رواه أكثر رواة ابن شهاب .

                                                ورواه ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عثمان بن محمد بن أبي سويد: "أن رسول الله -عليه السلام- قال لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم وتحته عشر نسوة: خذ منهن أربعا وفارق سائرهن".

                                                قوله: "قبر أبي رغال" بكسر الراء وبالغين المعجمة، وكان أبو رغال هذا دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة - حرسها الله - فمات في الطريق بالمغمس ويرجم قبره، قال جرير:


                                                إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال



                                                وقال ابن الأعرابي: رغال مثل قطام الأمة. وقال أبو دريد: أبو رغال مشتق من راغل يراغل مراغلة ورغالا، ولم يفسره. وقال الصغاني: التركيب يدل على اعتقاد شيء وأخذه.




                                                الخدمات العلمية