الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
فصل :

342 - هرقل ، وكتابا إلى صاحب دومة الجندل ، وكتابا إلى النجاشي ، وكتابا إلى كسرى بن هرمز ، فأما كسرى ، فلم يقرأه ، وأمر به ، فمزق ، وكتب إلى باذان صاحب اليمن من كسرى إلى باذان إني لم أستعملك على اليمن لتأكل خيرها ، ولتلبس حريرها ، وإنما استعملتك عليها لتقاتل من عاداني ، وإنه بلغني أن رجلا من أهل تهامة خرج عن دين قومه ، ويزعم أنه رسول الله يقال له : أحمد ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فاختر رجلين من أهل فارس ممن ترضى عقله فابعثهما إليه ، واكتب معهما إليه أن يرجع إلى دين قومه ، فلما جاء باذان الكتاب اختار رجلين من أهل فارس ، وكتب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كتب به كسرى ، فقدما عليه ، فأعطياه الكتاب ، فرددهما شهرا يختلفان إليه ، فلا يجيبهما إلى جواب كتابهما ، فغدوا عليه يوما ، فقال : ما أحسبني إلا قد حبستكما ، وشققت عليكما ، قالا : أجل ، قال : فانطلقا ، فتلبسا واركبا ، ثم مرا بي ، ففعلا رجع إلى دين قومي ، أو أعده موعدا ألقاه ، فموعدنا أبواب صنعاء إما بنفسي ، أو خيلي ، وأبلغاه عني أن ربي قد قتل ربه الغداة ، قال : فكتبنا ذلك اليوم ، ثم قدمنا على باذان ، فقال : ما حبسكما ، فأبلغاه ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأمر به ، فكتب ، فما لبثوا إلا أياما قليلة حتى جاء كتاب شيرويه بن كسرى أما بعد ، فإني قتلت أبي يوم كذا ، وكذا ، فادع من قبلك من أهل فارس إلى بيعتي ، وأن يسمعوا ، ويطيعوا ، قال : فدعا باذان بالكتاب ، فإذا هو اليوم الذي قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فقال باذان : أي رجل أحمد ؟ قالا : خير الناس أصدقه لسانا ، قال : عليه حرس ؟ قالا : وما يصنع بالحرس ؟ لهو أحب إلى أصحابه من أنفسهم ، وأولادهم ، قال : هذا الملك [ ص: 235 ] الهنيء ، فنادوا في أهل فارس بايعوا شيرويه ، واسمعوا ، وأطيعوا يا أهل فارس ، قد أقبل ملك أحمد ، وهذا الملك قد أدبر ، وأنا أهلك فيما بينهما ، قال عامر : فأدبر ملك فارس ، وهلك باذان فيما بينهما ، قتله العنسي الكذاب ، وتزوج امرأته .

343 - أبو بشر محمد بن عبيد الله الأردني ، قال : لما نزل أبو عبيدة اليرموك وضم إليه قواصيه ، وجاءتنا جموع الروم بعث باهان صاحب جيش الروم رجلا من كبارهم ، وعظمائهم يقال له : جرجير إلى أبي عبيدة بن الجراح ، فأتى أبا عبيدة ، فقال له : إني رسول باهان إليك ، وهو عامل ملك الروم على الشام ، وعلى هذه الحصون ، وهو يقول لك : أرسل إلي الرجل الذي كان قبلك أمير ، فإنه قد ذكر لي أن ذلك الرجل له عقل ، وله فيكم حسب ، فنخبره بما نريد ، ونسأله عما تريدون ، فإن وقع بيننا وبينكم أمر لنا فيه ، ولكم صلاح أخذنا الحظ من ذلك ، وحمدنا الله عليه ، وإن لم يتفق ذلك بيننا وبينكم ، فإن القتال من وراء ما هناك ، فدعا أبو عبيدة خالدا ، فأخبره بالذي جاء فيه الرومي ، وقال لخالد : القهم ، فادعهم إلى الإسلام ، فإن قبلوا ، وإلا فاعرض عليهم الجزية ، فإن أبوا ، فأعلمهم أنا سنناجزهم حتى يحكم الله - عز وجل - بيننا وبينهم ، قال : وجاءهم رسولهم الرومي عند غروب الشمس ، فلم يمكث ، ولكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبك إن شاء الله فارجع ، فأعلمه ، فجعل المسلمون ينتظرون الرومي أن يقوم إلى صاحبه ، ويخبره بما ردوا عليه ، فأخذ الرومي لا يبرح ، وينظر إلى رجال من المسلمين وهم يصلون ، ويدعون الله - عز وجل - ، ويتضرعون إليه ، فقال : عمرو بن العاص - رضي الله عنه - : إن رسولكم هذا الذي أرسل إليكم لمجنون ، فقال أبو عبيدة : كلا أما تنظر إلى نظره إلى المسلمين ، وجعل الرومي ما يصرف بصره عنهم ، فقال أبو عبيدة - رضي الله عنه - : إني لأرجو أن يكون الله - عز وجل - قد قذف في قلبه الإيمان ، وحببه إليه ، وعرفه فضله ، فمكث الرومي بذلك قليلا ، ثم أقبل على أبي عبيدة - رضي الله عنه - ، فقال : أيها الرجل ، متى دخلتم في هذا الدين ؟ ومتى دعوتم إليه الناس ؟ فقال أبو عبيدة : منذ بضع وعشرين سنة ، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول ، ومنا من أسلم بعد ذلك ، فقال : هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتي من بعده رسول عيسى ابن مريم - عليه السلام - [ ص: 236 ] ذلك من الشاهدين ، فإن عيسى صلوات الله عليه قد بشرنا براكب الجمل ، وما أظنه إلا صاحبكم ، فأخبرني : هل قال صاحبكم في عيسى شيئا ؟ وما قولكم أنتم فيه ؟ قال أبو عبيدة : قول صاحبنا هو قول الله تبارك وتعالى ، وهو أصدق القول ، وأبره : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون ) ، وقال عز وجل : ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ) إلى قوله : ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ) ، ففسر له الترجمان هذا بالرومية ، فقال : أشهد أن هذه صفة عيسى ابن مريم ، وأشهد أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - صادق ، وأنه الذي بشرنا به عيسى - عليه السلام - ، وأنكم قوم صدق ، وقال لأبي عبيدة - رضي الله عنه - : ادع لي رجلين من أوائل أصحابك إسلاما ، وهما فيما ترى أفضل ، فدعا له أبو عبيدة معاذ بن جبل ، وسعيد بن زيد بن هذان من أفضل المسلمين إسلاما ، فقال لهم الرومي : أتضمنون لي الجنة إن أنا أسلمت ، وجاهدت معكم ، قالوا : نعم ، إن أنت أسلمت واستقمت ، ولم تغير حتى تموت ، وأنت على ذلك ، فأسلم ، وفرح المسلمون بإسلامه ، وصافحوه ، ودعوا له بخير .

قال الإمام - رحمه الله - : هذا آخر ما اتفق إملاؤه في دلائل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم - ، أمليته على قدر ما وصلت يدي إليه ، مع تقسم الفكر ، أسأل الله أن ينفعني وطلبة العلم بذلك ، وأسأله أن يرحمني وإياهم ، ويخص ولدي أبا عبد الله بالنصيب الأوفى من ذلك ، وأن يجزل له كرامة الآخرة ، ولا يحرمه نعيمها كما حرمه نعيم الدنيا ، إنه سميع مجيب ، وصلى الله على محمد نبيه ، وآله وسلم .

تم انتساخ كتاب دلائل النبوة بحمد الله المنزه عن البنوة ، والأبوة بيد العبد الضعيف أبي روح محمد بن أبي إسماعيل بن أبي ذر الصالحاني سادس عشر جمادى الأولى سنة ثمانين وخمسمائة ، روح الله من دعا له بالغفران .

التالي السابق


الخدمات العلمية