الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
: كنية أخذها قبلها

التالي السابق


وشبه في الضمان فقال ( كنية ) الملتقط ل ( أخذها ) أي تملك اللقطة ( قبل ) تمام ( ها ) أي السنة .

ابن الحاجب هي أمانة ما لم ينو اختزالها فتصير كالمغصوب ، وفيها إذا ضاعت اللقطة من الملتقط فلا يضمنها . أشهب وابن نافع وعليه اليمين . ابن القاسم إن قال له ربه أخذتها لتذهب بها وقال الملتقط لا أعرفها صدق الملتقط . أشهب بلا يمين قرر الشارح أولا بما تقدم ودرج عليه في شامله فقال ولو نوى أكله قبل العام ضمنه إن تلف ا هـ . الشارح وظاهره أنه يضمن بمجرد النية إذا تلف بعدها ، وفيه نظر ، فإن أبا الحسن قال المشهور أن النية بمجردها لا توجب شيئا إلا أن يقارنها فعل فالظاهر أن ضمير قبلها للقطة ، والمعنى أنه لما وجد اللقطة نوى أخذها لتملكها قبل التقاطها وتبعه البساطي . [ ص: 236 ] الحط ما نقله الشارح عن أبي الحسن لم يقله في هذه المسألة إنما قاله في شرح قول المدونة ، ومن التقط لقطة فبعد أن حازها وبان بها ردها لموضعها أو غيره ضمنها ، فإن ردها في موضعها من ساعته كمن مر في إثر رجل فوجد شيئا فأخذه وصاح به أهذا لك فقال لا فتركه فلا شيء عليه ، وقاله الإمام " رضي الله عنه " في واجد كساء بإثر رفقة فأخذه وصاح أهذا لكم فقالوا لا فرده ، قال قد أحسن في رده ولا يضمنه . أبو الحسن قوله ليعرفها انظر هل تعريفا عاما الذي هو السنة ، أو تعريفا خاصا كواجد الكساء ، ثم قال أبو الحسن وهل توجب النية بمجردها شيئا أو لا والمشهور أنها لا توجب شيئا لقوله صلى الله عليه وسلم { ما لم تعمل أو تتكلم } ، فمن نوى قربة فلا تلزمه بمجرد النية إلا أن يقارنها قول كالنذر أو الشروع في العمل إما أن يكون مما لا يتجزأ كصوم أو صلاة فهذا يلزم إتمامه بالشروع فيه وإن كان مما يتجزأ كالجوار وقراءة أحزاب فما شرع فيه لزم وما لم يأت ليس فيه إلا مجرد النية فلا يلزمه ، والتعريف مما يتجزأ فليس فيما يأتي إلا مجرد النية ا هـ .

وقال البساطي أي وكذلك يضمن إذا نوى لما وجد اللقطة أخذها تملكا ، وهذه النية قبل أخذها ، فإذا أخذها صار كالغاصب ، فإن قلت حملت اللفظ على ما لا يحتمل ، قلت بل يحتمل ، وغاية ما يورد أني غيرت الأخذ حتى يصح المعنى المنصوص ، وقدرت مضافا محفوظا بعد قبل ، أي قبل قبضها لأجل ذلك ، وما حمل عليه الشارح أولا لا يصح معنى ولا نقلا . ا هـ . فما قاله الشارح هو ظاهر كلام المصنف ، وقد علمت ما في قوله ، وظاهر إلخ واحتجاجه بكلام أبي الحسن ، وأن ذلك ليس في هذه المسألة وسيأتي في كلام ابن عرفة أنه يجب في هذه المسألة اتفاقا فيبقى كلام المصنف على ظاهره والله أعلم .

وأما البساطي فأول كلام المصنف ليوافق ما قاله ابن رشد في المقدمات ، فإنه إنما ذكر الضمان إذا أخذها بنية تملكها . وقال ابن الحاجب وهي أمانة ما لم ينو اختزالها فتصير كالمغصوب . ابن عبد السلام يعني أن اللقطة بيد متلقطها على حكم الأمانة بمقتضى حكم الشرع ، وإن كان قبضها بغير إذن مالكها ما لم ينو اغتيالا وغصبا ، فإن نواه ضمنها [ ص: 237 ] كالغاصب ، وهذا بين إذا كانت هذه النية حين التقطها ، وإن حدثت له هذه النية بعد التقاطه جرى ذلك على تبدل النية مع بقاء اليد ا هـ . ابن عرفة يرد بأن القول بلغوا أثر النية إنما هو مع بقاء اليد كما كانت لا مع تغير بقائها عما كانت بوصف مناسب لتأثير النية ويد الملتقط السابقة عن نية الاغتيال كانت مقرونة بالتعريف أو العزم عليه ، وهي بعدها مقرونة بنقيض ذلك فصار ذلك كالفعل فيجب الضمان اتفاقا والأظهر أن ينظر لحال المدعى عليه كالغصب . ا هـ . وكذلك هو صريح عبارة للشامل وهو ظاهر عبارة ابن الحاجب أيضا ، فكلام المصنف على ظاهره ولا يحتاج لتأويل البساطي . ا هـ . كلام الحط .

طفي أتى أبو الحسن بما قاله على سبيل العموم فصح استدلال الشارح به هنا ، وسقط تورك الحط عليه . والظاهر ما قاله ابن عبد السلام ورده ابن عرفة تحامل ، وقد صرح بنقيض ما اختاره هنا فقال في قول ابن الحاجب فإن تلفت بعد تملكها أو التصدق بها فعليه قيمتها يوم ذلك ، قبله ابن هارون وابن عبد السلام قائلا هذا صحيح على القول بتأثير النية ، ولم أعرفه نصا ، وتخريجه على القول بتأثير النية مع بقاء اليد فيه نظر لأن ذلك إنما هو في النية المستندة لعقد لأن القول بتأثيرها لم أعرفه إلا لابن بشير ، وإنما ذكره في تخريجه جواز صرف الوديعة ومنعه على تأثير النية مع بقاء اليد في الحكم ولغوها ، والنية في الوديعة مستندة لعقد ، ولذا عبر المازري عن إجراء الخلاف في صرف الوديعة بقوله بناء على وقف انتقال ضمانها على قبضها وحصوله بالعقد ، فلم يعلل ضمانها إلا بالعقد لا بالنية ، والعقد أقوى منها ا هـ .

[ ص: 238 ] والمراد بالعقد عقد الصرف فظهر ، أن الصواب التقرير الثاني ولأن المسألة كذلك مفروضة ففي الجواهر هي مغصوبة في يد من أخذها بقصد الاختزال . البناني بل الظاهر ما لابن عرفة و " ح " لأن نية الاغتيال هنا لم تتجرد ، بل قارنها الكف عن التعريف ولا حجة لطفي فيما نقله عن ابن عرفة بعد لأن موضوعه في نية تملكها بعد السنة والنية حينئذ مجردة عن تغير وصف اليد لأنه بمضي السنة سقط عنه التعريف ، فتمسكه به غفلة واضحة والله أعلم .




الخدمات العلمية