الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
إلا الصبيان ، لا نساء في كعرس ، في جرح ، أو قتل ، والشاهد حر ، مميز ، [ ص: 442 ] ذكر تعدد ، ليس بعدو ، ولا قريب ، ولا خلاف بينهم ، وفرقة إلا أن يشهد عليهم قبلها ، [ ص: 443 ] ولم يحضر كبير ، [ ص: 444 ] أو يشهد عليه ، أو له

التالي السابق


( إلا الصبيان ) فتجوز شهادة بعضهم لبعض على بعض . اللخمي والمازري وهو معروف مذهب الإمام مالك " رضي الله عنه " وأصحابه إلا ابن عبد الحكم ، وعلى الأول جماعة من الصحابة وغيرهم وعلى الثاني أبو حنيفة والشافعي وأحمد " رض " أجمعين .

( لا نساء ) اجتمعن ( في كعرس ) ومأتم وحمام فلا تقبل شهادتهن ولو لبعضهن على بعضهن في قتل أو جرح وصححه ابن الحاجب وشهره في التوضيح ومقابله للجلاب وفرق للمشهور بأن اجتماع الصبيان مشروع للتدريب ، والغالب عدم حضور العدول معهم فلو لم تعتبر شهادة بعضهم لبعض عن بعض لأدى ذلك لهدر دمائهم واجتماع النساء غير مشروع وتعتبر شهادة الصبيان ( في جرح ) من بعضهم لبعض ( وقتل ) كذلك لا في غيرهما عند ابن القاسم ، وهو المشهور . ابن عرفة الباجي إذا جوزت في القتل فقال غير واحد من أصحاب مالك " رضي الله عنه " لا تجوز حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولا . ابن رشد رواه ابن القاسم عن مالك رضي الله تعالى عنهما وقاله غير واحد من أصحابه رضي الله تعالى عنهم .

( والشاهد ) منهم ( حر ) لا قن ولا ذو شائبة للغو شهادة الرقيق الكبير فالصغير أولى [ ص: 442 ] مميز ) أي يفهم الخطاب ، ويحسن رد الجواب ويضبط ما يشاهد . الخرشي ومنها أن يكون مميزا وأن يبلغ عشر سنين أو ما قرب منها ; لأن غيره لا يضبط ما يقول ولا يثبت على ما يفعل لا غير مميز " غ " قوله مميز أعم مما حكى اللخمي عن عبد الوهاب من اشتراط كونه ممن يفعل الشهادة . ابن عرفة كقوله في المدونة ويجوز شهادة ابن عشر سنين وأقل مما يقاربها ا هـ . بقي هذا الشرط عليه كما بقي على ابن الحاجب على أنه أشار في التوضيح للاستغناء عنه بالتمييز ، وليس بظاهر . ( ذكر ) لا أنثى ولو تعددت مع ذكر ( تعدد ) الشاهد فلا تعتبر شهادة الواحد ( ليس ) الشاهد ( بعدو ) للمشهود عليه . البساطي سواء كانت العداوة بين الصبيان أو بين آبائهم ; لأن الموروثة أشد من الطارئة ( ولا قريب ) للمشهود له . الخرشي ظاهره أن مطلق القرابة مانع فتشمل العمومة والخؤولة ولا يشترط كونها أكيدة كما ارتضاه الجيزي .

( ولا خلاف ) أي اختلاف ( بينهم ) أي الصبيان في كيفية الشهادة ، فإن اختلفوا فيها بأن قال اثنان قتله فلان ، وقال آخران قتله فلان الآخر ، أو قال اثنان لاثنين أنتما قتلتماه فقال المشهود عليهما للشاهدين ، بل أنتما قتلتماه فلا تقبل ( ولا فرقة ) بضم الفاء وسكون الراء ، أي تفرق بينهم قبل أداء الشهادة ، فإن افترقوا قبلها فلا تقبل لاحتمال تعليم بالغ لهم خلاف ما وقع بينهم ، وأمرهم بكتم الواقع لدفع الضرر أو جلب النفع ( إلا أن ) بفتح الهمز وسكون النون حرف مصدري صلته ( يشهد ) عدلان ( على ) شهادت ( هم ) أي الصبيان ( قبلها ) أي الفرقة فالمعتبر شهادتهم الأولى التي سمعها منهم العدلان ولو رجعوا عنها بعد افتراقهم . في المدونة تجوز شهادتهم ما لم يفترقوا أو يخببوا أي يعلموا ابن عرفة مقتضاها أنهما غير مترادفين ، ونصه شرط ابن الحاجب في شهادتهم كونها قبل تفرقهم . ابن عبد السلام هذا مراد الفقهاء بقولهم ما لم يخببوا ، فإن افتراقهم مظنة اختلاطهم [ ص: 443 ] بمن يلقنهم ما تبطل به شهادتهم . قلت مقتضى قولها تجوز شهادة الصبيان ما لم يتفرقوا ويخبوا مع اختصارها . أبو سعيد كذلك إنهما غير مترادفين ، وكذا لفظ اللخمي قبل تفرقهم وتخبيبهم ، ولفظ إذا شهدوا قبل أن يتفرقوا ويخببوا

فإن افترقوا وأمكن تخبيبهم فلا تقبل شهادتهم ونحوه لفظ ابن فتوح قال ومعنى يخببوا يعلموا ا هـ . ( ولم يحضر ) معهم شخص ( كبير ) أي بالغ ، فإن حضر معهم كبير فلا تقبل شهادتهم ; لأنه إن كان عدلا أغنت شهادته عن شهادتهم ، وإن كان غيره يتهم بتخبيبهم . الحط أطلق رحمه الله الكبير فظاهره سواء كان ممن تجوز شهادته أو ممن لا تجوز شهادته فيفهم أن علة عدم قبول شهادة الصبيان مع حضور الكبير خوف تخبيبهم ، وذلك أنه إذا أحضر معهم كبير تجوز شهادته فشهادتهم ساقطة على المشهور خلافا لسحنون ابن الحاجب لا تقبل شهادتهم مع حضور كبير رجل أو امرأة . في التوضيح لم يخالف في ذلك إلا سحنون في أحد قوليه ا هـ . واختلف في علة سقوط شهادتهم هل هو خوف التخبيب أو الاستغناء بشهادة الكبير ، ثم قال ابن الحاجب فإن كان فاسقا أو كافرا أو عبدا فقولان في التوضيح ، أي الكبير الحاضر إن كان ممن لا تجوز شهادته كالكافر والفاسق والعبد ، فقال مطرف وابن الماجشون وأشهب لا يضر حضورهم بشهادة الصبيان . المازري لا خلاف فيه منصوص عندنا وقاله سحنون ، ثم توقف فالقول بعدم الإجازة على هذا ليس بمنصوص إلا أنه لازم على القول بأن العلة التخبيب ، بل هو في حق هؤلاء أشد ، والأول مبني على التعليل بارتفاع الضرورة بشهادة الكبير ا هـ .

ثم قال وجعل الرجراجي القول الثاني منصوصا ، ونصه إذا حضر كبير فإن كان شاهدا فإن كان عدلا فلا خلاف أن شهادة الصبيان ساقطة لوجود الكبير العدل ، وإن كان ليس بعدل فالمذهب على قولين ، أحدهما أن شهادتهم جائزة وهو قول ابن الماجشون وأصبغ ، وروى ابن سحنون عن أبيه مثله ، والثاني أن شهادتهم لا تجوز لحضور الكبير وإن كان ليس بعدل وهو قول ابن سحنون عن أبيه ، وإن كان مشهودا عليه [ ص: 444 ] فلا تجوز شهادتهم عليه باتفاق ، وكانت شهادتهم في الجراح أو في النفس إن كان عاش حتى يعرف ما هو فيه ، وإن مات من ساعته جازت شهادتهم له ، وصرح ابن يونس بالقول الثاني ونصه بعد حكاية قول مطرف وابن الماجشون وأصبغ ، وهذا خلاف ما في كتاب ابن المواز ; لأنه قال فيه إنما يتقى من الكبير أن يعلمهم أو يخببهم فلا تراعى في ذلك الجرحة . ا هـ . ونقله أبو الحسن ، وزاد فقال وحاصله قولان فنظر مطرف ومن معه إلى رفع الضرورة وإذا كان الكبير غير عدل لم ترتفع الضرورة ، ونظر ابن المواز للتخبيب والتعليم وهو في غير العدل أكثر .

( أو يشهد ) الصبيان ( عليه ) أي الكبير لصغير ( أو ) يشهد الصبيان ( له ) أي الكبير على الصغير فلا تقبل الشهادة في الصورتين ، فالشرط شهادتهم لبعضهم على بعضهم عب الضميران للكبير كما في الشارح ، وبقي من الشروط أن لا يكون الشاهد منهم معروفا بالكذب ابن عرفة الأظهر اعتبار منع الكذب قبول شهادة من عرف به منهم . تت سكت عن شرط الإسلام وهو متفق عليه لعلمه من بطلان شهادة الكافر البالغ بالأولى . وقال " غ " تضمن شرط الحرية شرط إسلامه ، وتبعه عب ، فلا تقبل شهادة صغار أهل الذمة ، ولا فرق بين كون المشهود عليه حرا أو عبدا ، وكذا المجني عليه .




الخدمات العلمية