الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 431 ] ولا إن أخذ من العمال ، أو أكل عندهم بخلاف الخلفاء

[ ص: 431 ]

التالي السابق


[ ص: 431 ] ولا ) تقبل شهادة الشاهد ( إن أخذ ) الشاهد مالا ( من العمال ) بضم العين المهملة وشد الميم ، جمع عامل المقامين على قبض الخراج ونحوه المضروب على أيديهم الذين لم يفوض إليهم صرفها في وجوهها ( أو أكل ) الشاهد ( عندهم ) أي العمال المحجور عليهم أكلا متكررا ( بخلاف ) الأخذ والأكل من ( الخلفاء ) بضم الخاء المعجمة وفتح اللام ممدودا جمع خليفة ، أي السلاطين النائبين عن رسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذ الأحكام وإقامة شعائر الإسلام والتصرف في أموال بيت مال المسلمين بحفظها وصرفها في جهاتها الشرعية والأكل عندهم ، فلا يمنعان قبول الشهادة ، و مثلهم العمال المأذون لهم في ذلك . ابن عرفة قيل لسحنون من قبل صلة السلطان أو أكل طعامه وسلاطين الزمان من علمت هل تسقط عدالته ، وقد قبل جوائز السلطان من قد علمت من أئمة الهدى والعلم ، أخذ ابن عمر رضي الله تعالى عنهما جوائز الحجاج والحجاج من قد علمت وابن شهاب جوائز عبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء ، وأخذ مالك جوائز أبي جعفر وليس على وجه الخوف منهم ; لأن منهم من ترك الأخذ منهم فلم ير منهم إلا خيرا .

وذكر أن أبا جعفر أمر لمالك " رضي الله عنه " بثلاث صرر فأتبعه الرسول بها فسقطت منه صرة منها في الزحمة فأتاه بصرتين فسأله عن الثالثة فأنكرها فألح مالك " رضي الله عنه " عليه فيها حتى أتاه بها من وجدها ، وجميع القضاة من السلطان يرزقون ويأكلون فكتب سحنون من قبل الجوائز من العمال المضروب على أيديهم سقطت شهادته ، ومن كانت منه الزلة والفلتة فغير مردود الشهادة ; لأن الأمر الخفيف من الزلة والفلتة لا يضر في العدالة ، والمدمن على الأكل منهم ساقط الشهادة وما قلت من قبول ابن شهاب ومالك " رضي الله عنه " ليس بحجة ; لأنه من أمير المؤمنين ، وجوائز الخلفاء جائزة لا شك فيها لاجتماع الخلق على قبول العطية من الخلفاء ممن يرضى منهم وممن لا يرضى ، وجل ما يدخل بيت المال مستقيم ، وما يظلم فيه قليل في كثير ، ولم ينكر أحد من العلماء أخذ العطاء منذ زمن معاوية " رضي الله عنه " إلى اليوم ، والقضاة أجراء للمسلمين فلهم أجرهم من بيت مال المسلمين .

وما ذكره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سمعت علي بن زياد ينكره ويرفعه عن ابن عمر . [ ص: 432 ] ابن رشد قوله قبول جوائز العمال جرحة معناه عندي عمال الجباية الذين إنما جعل لهم قبض الأموال وتحصيلها دون وضعها في وجوهها بالاجتهاد . وأما الأمراء الذين فوض لهم الخليفة أو خليفته قبض الأموال وصرفها في وجوهها باجتهادهم كالحجاج وشبهه من أمراء البلاد المفوض جميع الأمور فيها إليهم ، فجوائزهم كجوائز الخلفاء . فإن صح أخذ ابن عمر جوائز الحجاج فهذا وجهه ، وأما القضاة والأجناد والحكام فلهم أخذ أرزاقهم من العمال المضروب على أيديهم الذين فوض إليهم النظر في ذلك وضرب على أيديهم فيما سواه ، وروي عن مالك لا بأس بجوائز الخلفاء ، فأما جوائز العمال ففيها شيء يريد الذين ظهر أمرهم أنه مفوض إليهم من قبل خلفائهم ، ولم يتحقق ذلك ، ويريد أن الأخذ منهم مكروه ولو تحقق التفويض إليهم لم يكن لكراهة أخذ جوائزهم وجه ، كما أنه لو تحقق أنه لم يؤذن لهم في إعطاء المال باجتهادهم لمن يعمل عملا لم يكن لتسويغ أخذ جوائزهم وجه ، فإن كان حلالا وعدل في قسمته فاتفق أهل العلم على جواز أخذ الجائزة منه ، وإن لم يعدل في قسمته فالأكثر على جواز أخذ الجائزة منه ، وكرهه بعضهم ، وإن شاب المجبي حلال وحرام فالأكثر على كراهة الأخذ منه ، ومنهم من أجازه

وإن كان المجبي حراما فمنهم من حرم أخذ الجائزة والرزق على عمل من الأعمال منه ، وروي هذا عن مالك رضي الله تعالى عنه ، ومنهم من أجازه ومنهم من كرهه ا هـ . البناني قسم ابن رشد ما بيد الأمراء من المال ثلاثة أقسام ، أحدهما حلال لا يعدل في قسمه ، فالأكثر على جواز قبوله منهم ، وقيل يكره . الثاني مختلط حلال وحرام ، فالأكثر على كراهة أخذه ، وقيل يجوز . الثالث حرام فقيل يحرم أخذه ، وقيل يكره وقيل يجوز . قال وإن كان الغالب الحرام فله حكمه ، وإن غلب الحلال فله حكمه وفيه كراهة خفيفة .




الخدمات العلمية