الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

صفحة جزء
الأدب الخامس موافقة : القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف أو قام باختيار من غير إظهار وجد وقامت ، له الجماعة فلا بد من الموافقة فذلك من آداب الصحبة .

وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته .

أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه بالتمزيق فالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة إذا المخالفة موحشة ولكل قوم رسم ولا بد من مخالقة الناس بأخلاقهم .

كما ورد في الخبر لا سيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن العشرة والمجاملة وتطييب القلب بالمساعدة .

وقول القائل : إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة رضي الله عنهم ، وإنما المحذور ارتكاب بدعة تراغم سنة مأثورة ، ولم ينقل النهي عن شيء من هذا .

والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب بل كان الصحابة رضي الله عنهم لا يقومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحوال .

كما رواه أنس رضي الله عنه .

ولكن إذا لم يثبت فيه نهي عام ، فلا نرى به بأسا في البلاد التي جرت العادة فبها بإكرام الداخل بالقيام ، فإن المقصود منه الاحترام والإكرام وتطييب القلب به .

وكذلك سائر أنواع المساعدات إذا قصد بها تطييب القلب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل .

التالي السابق


(الأدب الخامس:

موافقة القوم في القيام إذا قام واحد منهم في وجد صادق من غير رياء وتكلف) من نفسه (أو قام باختيار من غير إظهار وجد، وقام له الجماعة فلا بد له من الموافقة فذلك من آداب الصحبة) والعشرة، (وكذلك إن جرت عادة طائفة بتنحية العمامة) عن الرأس (على موافقة صاحب الوجد إذا سقطت عمامته أو خلع الثياب إذا سقط عنه ثوبه فالتمزيق بالموافقة في هذه الأمور من حسن الصحبة والعشرة) أي: معدود من جملة حسن الصحبة (إذ المخالفة) في الأحوال الظاهرة (موحشة ولكل قوم رسم) وعادة ومخالفة الرسوم سبب للتناكر (ولا بد من مخالقة الناس بأخلاقهم كما ورد في الخبر) .

قال العراقي: رواه الحاكم من حديث أبي ذر: خالقوا الناس بأخلاقهم. الحديث، وقال: صحيح على شرط الشيخين. اهـ .

قلت: ورواه البزار من حديث ثوبان: اصبروا وخالقوا الناس وخالفوهم في أعمالهم، (ولاسيما إذا كانت أخلاقا فيها حسن العشرة) أي: المعاشرة (والمجاملة وتطييب النفس بالمساعدة) وقال صاحب العوارف: وللمتصوفة آداب يتعاهدونها ورعايتها، حسن الأدب في الصحبة والعشرة وكثير من السلف لم يكونوا يعتمدون ذلك، ولكن كل ما استحسنوه وتواطئوا عليه ولا ينكره الشرع لا وجه للإنكار فيه، فمن ذلك أن أحدهم إذا تحرك للسماع ووقعت منه خرقة أو نازلة وجد ورمى عمامته إلى الحادي، فالمستحسن عندهم موافقة الحاضرين له في كشف الرأس إذا كان ذلك متقدما أو شيخا، وإن كان ذلك من الشبان في حضرة الشيوخ فليس على الشيوخ موافقة الشبان في ذلك، وينسحب حكم الشيوخ على بقية الحاضرين في ترك الموافقة للشبان، فإذا سكتوا عن السماع يرد الواجد إلى خرقته ويوافقه الحاضرون برفع العمامة ثم ردها على الرءوس في الحال للموافقة .

(وقول القائل: إن ذلك بدعة لم يكن في الصحابة فليس كل ما يحكم بإباحته منقولا عن الصحابة، وإنما المحذور بدعة تراغم سنة مأمورا بها، ولم ينقل النهي عن شيء من هذا) ولفظ العوارف: وقول القائل: إن هذه الهيئة من الاجتماع بدعة، يقال له: إنما البدعة المحذورة الممنوع منها بدعة تراغم سنة مأمورا بها، وما لم يكن هكذا فلا بأس به .

(والقيام عند الدخول للداخل لم يكن من عادة العرب بل كان الصحابة) رضي الله عنهم (لا يقومون لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأحوال كما رواه أنس) بن مالك (رضي الله عنه) كما تقدم ذلك في كتاب آداب الصحبة، (ولكن إذا لم يثبت فيه نهي عام، فلا نرى بأسا في البلاد التي جرت فيها العادة بإكرام الداخل بالقيام، فإن القصد منه الاحترام والإكرام) ولفظ العوارف: وهذا القيام للداخل لم يكن، وكان من عادة العرب ترك ذلك حتى نقل أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل ولا يقام له، وفي البلاد التي هذا القيام عادتهم إذا تعمدوا ذلك لتطييب القلوب والمداراة لا بأس به; لأن تركه يوحش القلوب ويوغر الصدور فيكون ذلك من قبيل العشرة وحسن الصحبة، ويكون ذلك بدعة لا بأس بها لأنها تزاحم سنة مأمورة .

(وكذلك سائر أنواع المساعدات إذا [ ص: 573 ] قصد بها تطييب القلوب واصطلح عليها جماعة فلا بأس بمساعدتهم عليها بل الأحسن المساعدة إلا فيما ورد فيه نهي لا يقبل التأويل) بوجه من الوجوه .




الخدمات العلمية