الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قالوا : والعزلة هجره بالكلية .

وهذا ضعيف لأن المراد به الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب .

مع أن الهجر فوق ثلاث جائز في موضعين : .

أحدهما : أن يرى فيه إصلاحا للمهجور في الزيادة .

الثاني : أن يرى لنفسه سلامة فيه والنهي وإن كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين بدليل ما روي عن عائشة رضي الله عنها .

أن النبي صلى الله عليه وسلم هجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر .

وروي عن عمر أنه صلى الله عليه وسلم اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا وصعد إلى غرفة له وهي خزانته فلبث تسعا وعشرين يوما فلما نزل قيل له : إنك كنت فيها تسعا وعشرين فقال : الشهر قد يكون تسعا وعشرين .

وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه .

فهذا صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل قول الحسن رحمه الله حيث قال : هجران الأحمق قربة إلى الله فإن ذلك يدوم إلى الموت؛ إذ الحماقة لا ينتظر علاجها .

وذكر عند محمد بن عمر الواقدي رجل هجر رجلا حتى مات فقال : هذا شيء قد تقدم فيه قوم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة .

وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى ماتا .

وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة .

واحتجوا بما روي أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا تفعل أنت ولا أحد منكم ، لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير له من عبادة أحدكم وحده أربعين عاما .

والظاهر أن هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد مع شدة وجوبه في ابتداء الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال غزونا مع : رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا بشعب فيه عيينة طيبة الماء فقال واحد من القوم : لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته في أهله ستين عاما ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة ? اغزوا في سبيل الله؛ فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة .

التالي السابق


(قالوا: والعزلة هجرة بالكلية) فتدخل في مفهوم هذه الأخبار (وهذا ضعيف) في الاستدلال أيضا (لأن المراد به الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب مع أن) مذهب الشافعي وغيره من العلماء أن (الهجرة فوق ثلاث جائزة في موضعين: أحدهما: أن يرى فيه استصلاحا للمهجور في الزيارة، والثاني: أن يرى لنفسه سلامة فيها والنهي) في الأخبار المذكورة (وإن كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين) وما من عام إلا وقد خص (بدليل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- وعن أبيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- هجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر) كذا في النسخ، قال العراقي: إنما هجر [ ص: 336 ] زينب هذه المدة كما رواه أبو داود من حديث عائشة وسكت عليه أبو داود فهو عنده صالح. اهـ .

(وروى عمر) بن الخطاب (-رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا وصعد إلى غرفة له وهي خزانته فلبث فيها تسعا وعشرين) يوما (فلما نزل قيل له: إنك كنت فيها تسعا وعشرين فقال: الشهر قد يكون تسعا وعشرين) رواه البخاري في المظالم والنكاح بلفظ: وكان قال ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة وجدته عليهن حين عاتبه الله -عز وجل- فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله، إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا، قال: الشهر تسع وعشرون. وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة. ورواه مسلم بلفظ: ونزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده فقلت: يا رسول الله، إنما كنت في الغرفة تسعا وعشرين قال: إن الشهر يكون تسعا وعشرين. وفي لفظ آخر: كان آلى منهن شهرا، فلما كان تسع وعشرون نزل إليهن. وله أيضا من طريق الزهري قال: وأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضى تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدأ بي، فقلت: يا رسول الله، إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك قد دخلت في تسع وعشرين أعدهن، فقال: إن الشهر تسع وعشرون.

وروى البخاري من حديث أنس قال: آلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نسائه شهرا وكان قد انفكت قدمه فجلس في علية له، فجاء عمر فقال: أطلقت نساءك؟ قال: لا ولكني آليت منهن شهرا، فمكث تسعا وعشرين. وقال في طريق أخرى منقطع عن ابن عباس عن عمر عن الأنصاري: اعتزل النبي -صلى الله عليه وسلم- أزواجه .

(وروت عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام إلا أن يكون ممن يؤمن بوائقه) وفي نسخة: ممن لا يأمن بوائقه .

قال العراقي: رواه ابن عدي، وقال: غريب المتن والإسناد، وحديث عائشة عن أبي داود دون الاستثناء صحيح اهـ .

قلت: ورواه أيضا الحاكم بهذه الزيادة وأنكرها أحمد بن حنبل (فهذا) إن ثبت (صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل قول الحسن رضي الله عنه) هو الحسن بن علي بن أبي طالب (حيث قال: هجران الأحمق) هو الذي فسد جوهر عقله (قربة إلى الله تعالى) ، وقد تقدم في كتاب الصحبة (فإن ذلك) أي: كونه أحمق (يدوم إلى الموت؛ إذ الحماقة لا ينتظر علاجها) فمهاجرته عين التقرب إلى الله تعالى لما فيها من السلامة .

(وذكر عند محمد بن عمر) بن واقد (الواقدي) الإسلامي المدني القاضي نزيل بغداد، روى عن ابن عجلان وثور وابن جريج والطبقة، وعنه الشافعي والصاغاني والرمادي والحارث بن أسامة وخلق .

قال البخاري وغيره: متروك مع سعة عمله .

وروى له النسائي فقال: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا شيخ لنا عن عبد الحميد بن جعفر في لباس الجنة. مات في ذي الحجة سنة سبع ومائتين عن ثمان وسبعين،كذا في الكاشف للذهبي والتهذيب للحافظ (رجل هجر رجلا حتى مات فقال: هذا تقدم فيه قول سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات) -رضي الله عنهما- وكان عمر -رضي الله عنه- قد ولي سعد الكوفة فلما شكاه أهلها ورموه بالباطل عزله، وذلك سنة إحدى وعشرين، وولى عمارا الصلاة وابن مسعود بيت المال وعثمان بن حنيف مساحة الأرض، ثم عزل عمارا وأعاد سعدا على الكوفة ثانيا، ومات سعد سنة خمس وخمسين كما تقدم، ومات عمار سنة سبع وثلاثين بصفين مع علي، فضمير حتى مات، راجع إلى عمار، فإنه أقدم وفاة من سعد.

(وعثمان بن عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف) رضي الله عنهما ومات عبد الرحمن سنة إحدى وثلاثين وصلى عليه عثمان، وقيل: الزبير، وقيل: ابنه (وعائشة كانت مهاجرة لحفصة) رضي الله عنهما (وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى مات) وكلاهما يمانيان، مات طاوس بمكة سنة ست ومائة، ومات وهب سنة أربعة عشر ومائة بصنعاء وهجر الحسن ابن سيرين وهجر ابن المسيب أباه فلم يكلمه إلى أن مات، وكان أبو حازم مهاجرا للزهري، وكان الثوري تعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره، فمات ابن أبي ليلى فلم يشهد جنازته، وهجر أحمد بن حنبل عمه وأولاده لقبولهم جائزة السلطان .

وأخرج البيهقي أن معاوية باع سقاية من زيد [ ص: 337 ] بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه فقال معاوية: لا أرى به بأسا، فقال: أخبرك عن رسول الله وتخبرني عن رأيك؟! لا أساكنك بأرض أنت بها أبدا.

(وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة) ففيه مصلحة لهم (واحتجوا بما روي أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه فجيء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا تفعل أنت ولا أحد منكم، لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير له من عبادة أحدكم أربعين عاما) .

قال العراقي: رواه البيهقي عن عسعس بن سلامة، قال ابن عبد البر: يقال إن حديثه مرسل؛ ولذا ذكره ابن حبان في ثقات التابعين. انتهى .

قلت: وكذا رواه الطيالسي ولفظهما: لا تفعل، ولا يفعله أحد منكم، فلصبر ساعة في بعض مواطن المسلمين خير من عبادة أربعين عاما خاليا. وعسعس بن سلامة التميمي نزل البصرة، روى عنه الحسن والأزرق بن قيس تابعي أرسل .

(والظاهر أن هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد مع الكفار مع شدة وجوبه في ابتداء الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: عزونا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمررنا بشعب) أي: طريق في الجبل (فيه عيينة) تصغير عين (طيبة الماء) غزيرة (فقال واحد من القوم: لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال -صلى الله عليه وسلم-) لما ذكر له ذلك (لا تفعل؛ فإن مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته في أهله ستين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلوا الجنة؟ اغزوا في سبيل الله؛ فإنه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة) .

قال العراقي: رواه الترمذي قال: سبعين عاما اهـ .

قلت: وكذلك رواه البيهقي ولفظهم: فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة.

وروى ابن ماجه والحاكم من حديث معاذ بن جبل: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة فقد وجبت له الجنة، ومن سأل الله القتل من نفسه صادقا ثم مات أو قتل فإن له أجر شهيد. ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: صحيح الإسناد والنسائي وابن حبان والطبراني والبيهقي بزيادة: ومن جرح جرحا في سبيل الله أو نكب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت لونها لون الزعفران وريحها ريح المسك، ومن خرج به خراجا في سبيل الله كان عليه طابع الشهداء.

وروى أحمد وابن زنجويه من حديث عمر بن عبسة: من قاتل في سبيل الله فواق ناقة حرم الله على وجهه النار.




الخدمات العلمية