الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
الباب الأول .

في ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف الحق فيه .

بيان أقاويل العلماء والمتصوفة في تحليله وتحريمه : .

اعلم أن السماع هو أول الأمر ، ويثمر السماع حالة في القلب تسمى الوجد ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة فتسمى الاضطراب وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص فلنبدأ بحكم السماع وهو الأول وننقل فيه الأقاويل المعربة عن المذاهب فيه .

ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه. .

فأما نقل المذاهب فقد حكى القاضي أبو الطيب الطبري عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان وجماعة من العلماء ألفاظا يستدل بها على أنهم رأوا تحريمه. .

وقال : الشافعي رحمه الله في .

كتاب آداب القضاء إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ، ومن استكثر منه .

فهو سفيه ، ترد شهادته .

وقال القاضي أبو الطيب استماعه : من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي رحمه الله بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت حرة أو مملوكة وقال قال الشافعي رضي الله عنه : صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ، ترد شهادته ، وقال وحكي عن الشافعي أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب ويقول وضعته الزنادقة ليشتغلوا به عن القرآن .

وقال الشافعي رحمه الله : ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي ولا أحب اللعب بالشطرنج وأكره كل ما يلعب به الناس ; لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة .

وأما مالك رحمه الله فقد نهى عن الغناء وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها .

وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا ابن سعد وحده .

وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب ، وكذلك سائر أهل الكوفة سفيان الثوري وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم .

فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري .

ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع من جماعة فقال سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم .

التالي السابق


(الباب الأول في ذكر اختلاف العلماء في إباحة السماع وكشف قناع الحق فيه)

(بيان أقاويل العلماء) من فقهاء المذاهب (والمتصوفة في تحليله وتحريمه: اعلم أن السماع هو أول الأمر، ويثمر السماع حالة) باطنية (في القلب تسمى الوجد) وهو إحساسه بما هو فيه، (ويثمر الوجد تحريك الأطراف إما بحركة غير موزونة) بالإيقاع (فتسمى الاضطراب) ولا يختص به الأطراف بل تارة يعم سائر الجسد، (وإما موزونة فتسمى التصفيق والرقص) فالتصفيق هو ضرب الكف والرقص هو تمايل الأعضاء كلها .

(فنبدأ بحكم السماع وهو الأول) وما ذكر فإنما هو ثمراته (وننقل فيه الأقاويل المعربة عن المذاهب) المتبوعة فيه (ثم نذكر الدليل على إباحته ثم نردفه) أي: نتبعه (بالجواب عما تمسك به القائلون بتحريمه .

فأما نقل المذاهب فقد نقل القاضي أبو الطيب) طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر (الطبري) شيخ المذهب ولد بآمل طبرستان سنة 348 وسمع بجرجان من أبي أحمد الغطريفي وبنيسابور من أبي الحسن الماسرجسي وعليه تفقه، وببغداد من الدارقطني روى عنه الخطيب البغدادي وأبو إسحاق الشيرازي وهو أخص تلامذته، وأبو محمد الآبنوسي وأبو الشيرازي في جماعة آخرهم موتا أبو بكر [ ص: 456 ] محمد بن عبد الباقي الأنصاري توفي سنة 450 وقد جاوز المائة، وله كتاب في تحريم السماع، وهذا الذي ذكره المصنف عنه فيما بعد من الكتاب المذكور (عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وسفيان) الثوري وهؤلاء أئمة الإسلام (و) عن (جماعة من العلماء) سواهم (ألفاظا يستدل بها أنهم رأوا تحريمه .

وقال: قال الشافعي في كتاب آداب القضاء) من الأم (إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه، ترد شهادته، وقال القاضي أبو الطيب: استماعه من المرأة التي ليست بمحرم له لا يجوز عند أصحاب الشافعي بحال سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب وسواء كانت) المرأة (حرة أو مملوكة) له (وقال) أيضا (قال الشافعي: صاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه، ترد شهادته، وقال) أيضا (حكي عن الشافعي أنه كان يكره الطقطقة بالقضيب) أي: الضرب به (و) كان (يقول وضعته الزنادقة) جمع زنديق وهو الذي لا يتمسك بشريف ويقول بقدم الدهر (ليشغلوا عن القرآن) أي: عن قراءته والاستمتاع إليه قال (وقال الشافعي: ويكره من جهة الخير اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي) ولفظه في الأم: وأكره بالنرد للتحسير أكثر مما أكره اللعب بشيء من الملاهي. اهـ. كأنه يشير إلى ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقي من حديث أبي موسى -رضي الله عنه- مرفوعا: من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله. وإلى ما رواه أيضا سوى الأخيرين، ورواه أيضا أبو عوانة والطبراني من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه مرفوعا: من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه، (ولا أحب اللعب بالشطرنج) بالفتح على المشهور وقيل: بالكسر وهو المختار، ليكون تغاير الأوزان العربية مثل جردحل إذ ليس في الأوزان العربية فعلل بالفتح غيره، (وأكره كل ما لعب به الناس; لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة) ، فقد روى ابن عساكر من حديث أنس: لست من دد ولا دد مني.

(وأما مالك رحمه الله) تعالى (فقد نهى عن الغناء وقال: إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها وهو مذهب سائر أهل المدينة) أي: عامة فقهائها (إلا إبراهيم بن سعد وحده) هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أبو إسحاق المدني نزيل بغداد والد يعقوب وسعد، روي عن الزهري قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ثقة حجة، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال ابن خراش: صدوق، ولد سنة ثمان ومائة ومات سنة خمس وثمانين ومائة روى له الجماعة، وهو أحد شيوخ الشافعي وكان تعاطيه الغناء وسماعه أمرا مشهورا عنه لم يختلف النقل فيه، وحكاه عنه الفقهاء في كتبهم ونصبوا الخلاف معه، وحكاه عنه الشافعي في كتابه وأجمع أهل الأخبار على نسبة ذلك إليه، وكان لا يسمع الطلبة الحديث حتى يسمعهم الغناء نشيدا ونشيطا .

وقال الخطيب في التاريخ بسنده: إنه لما قدم إبراهيم بن سعد العراق سنة أربع وثمانين ومائة فأكرمه الرشيد، وسئل عن الغناء فأفتى بتحليله فأتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري فسمعه يتغنى فقال: لقد كنت حريصا على أن أسمع منك، وأما الآن فلا سمعت منك حديثا أبدا، فقال: إذا لا أفقد إلا سخطك علي، وعلي لا حدثت ببغداد ما أقمت حتى أغني قبله، فشاعت عنه ببغداد فبلغت الرشيد فدعا به فسأله عن أحاديث المخزومية التي قطعها النبي -صلى الله عليه وسلم- في سرقة الحلي فدعا بعود، فقال الرشيد: أعود مجمر؟ قال: لا، ولكن عود الطرب، فتبسم الرشيد ففهمها إبراهيم فقال: لعله بلغك يا أمير المؤمنين حديث السفيه الذي آذاني بالأمس وألجأني إلى أن حلفت؟ قال: نعم، فدعا الرشيد بعود فغنى:


يا أم طلحة إن البين قد أفدى قل الثواء لئن كان الرحيل غدا



فقال: هل كان من فقهائكم من يكره السماع؟ فقال: من ربطه الله تعالى، وقد ساقها ابن قتيبة بأتم من هذا السياق، وفيه أن إبراهيم بن سعد أتاه بعض أصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري فسمع غناء في الدار وذكر هذا البيت:


كان لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر



قال: فاستأذنت عليه فدخلت وإذا بالعود عن يمينه فقلت: أصلحك الله جئتك في أحاديث الزهري لأسمعها [ ص: 457 ] منك فسمعت صوتا أنكرته فقال: والله لا سمعت مني حديثا حتى أغنيك أصواتا ثم تناول العود فقلت: لا حاجة لي في السماع منك حديثا ولا غناء، قال: فمر وانصرف إلى لعنة الله وخزي عذابه، فقمت وأنا أقول: هذا فقيه المدينة يتغنى! فقال: يا عاض ما أنت أعلم بالدين مني ولا أبوك، اذهب أتبعك الله خزيه ومن أشبهك .

وذكر في حكايته أن الرشيد سأله عن مالك وقال: بلغني عنه أنه كان يحرم الغناء، فقال إبراهيم: وهل لمالك أن يحلل أو يحرم ولا والله لابن عمك إلا بوحي من الله تعالى، وما أدركت أحدا يحرم الغناء وما أدركت أحدا إلا وهو ينشد شيئا إلا ابن لبيد فإنه كان يقول: لا آمر به ولا أنهى عنه لأني لا أدري أحق هو أم باطل؟ وأما نحن يا أمير المؤمنين فربما أعددناه في الحسنات، وقد ساقها كذلك الفضل بن سلمة في كتاب ملاهي العرب .

(وأما أبو حنيفة) رحمه الله تعالى، (فإنه كان يكره ذلك ويجعل سماع الغناء من الذنوب، وكذلك سائر أهل الكوفة وسفيان الثوري وحماد) بن أبي سليمان (وإبراهيم) بن يزيد النخعي (و) عامر بن شراحيل (الشعبي وغيرهم كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري) في كتابه المذكور وانفرد بهذه النقول عن الأئمة دون أصحاب الشافعي، وعليه اعتمد الطرطوشي وأبو العباس القرطي وابن الجوزي، ونقلوا عنه كثيرا في تصانيفهم في هذه المسألة، وفي سياقه المذكور مؤاخذات سيأتي ذكرها في أثناء كلام المصنف، وقد عقد الشهاب السهروردي في العوارف أبوابا في حكم السماع منها الباب الثالث والعشرون في القول فيه ردا وإنكارا، قال فيه: وحيث كثرت الفتنة بطريقة وزالت العصمة فيه وتصدى للعرض عليه أقوام قلت أعمالهم وانفسدت أحوالهم وأكثروا الاجتماع للسماع، وربما يتخذ للاجتماع طعام تطلب النفوس الاجتماع لذلك لا رغبة القلوب في السماع كما كان من سير الصادقين، فيصير السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات واستحلاء لمواطن اللهو والغفلات، وينقطع بذلك على المريد طلب المزيد، ويكون بطريقة تضييع الأوقات وقلة الحظ من العبادات، وتكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة واسترواحا إلى الطرب واللهو والعشرة، ولا يخفى أن هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق فكان يقال: لا يصح السماع إلا لعارف مكين ولا يصلح لمريد مبتدئ، وقال الجنيد: إذا رأيت المريد يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية من البطالة، وقيل: إن الجنيد ترك السماع فقيل له: أما كنت تسمع فلم تمتنع؟ فقال: مع من؟ قيل: له تسمع أنت لنفسك، فقال: ممن؟ لأنهم كانوا لا يسمعون إلا من أهل مع أهل، فلما فقدوا سماع الإخوان تركوا، فما اختاروا السماع حيث اختاروه إلا بشروط وقيود وآداب يذكرون به الآخرة ويرغبون في الجنة ويحذرون به من النار، ويزداد به طلبهم وتحسن به أحوالهم ويتفق لهم اتفاقا بعض الأحايين لا أن يجعلوه دأبا وديدنا حتى يتركوا لأجله الأوراد .

وقد نقل عن الشافعي -رضي الله عنه- قال في كتاب آداب القضاء، ثم ساقه إلى قوله: وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن، وزاد: وقال الشافعي لا بأس بالقراءة بالألحان وتحسين الصوت، ثم نقل عن مالك وأبي حنيفة ما تقدم في كلام القاضي أبي الطيب الطبري وقال: وما أباحه إلا نفر قليل من الفقهاء ومن أباحه من الفقهاء أيضا لم ير إعلانه في المساجد والبقاع الشريفة .

وقيل: في تفسير قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث قال ابن مسعود: هو الغناء والاستماع إليه، وقيل: في قوله تعالى: وأنتم سامدون أي: مغنون، رواه عكرمة عن ابن عباس قال: هو الغناء بلغة حمير، يقولون سمد إذا غنى، وقوله تعالى: واستفزز من استطعت منهم بصوتك في قول مجاهد: الغناء والمزامير، ويروى مرفوعا: أن إبليس أول من ناح وأول من تغنى. وفي حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا: إنما نهيت عن صوتين فاجرين صوت عند نغمة وصوت عند مصيبة.

وروي عن عثمان -رضي الله عنه- قال: لا تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وروي عن ابن مسعود أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب.

وروي أن ابن عمر مر عليه قوم محرمون، وفيهم رجل يتغنى فقال: ألا لا سمع الله لكم. وروي أن رجلا سأل القاسم بن محمد عن الغناء فقال: أنهاك عنه وأكرهه لك قال: أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن أخي إذا ميز الله الحق والباطل ففي [ ص: 458 ] أيهما نجعل الغناء؟ وقال فضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا. وعن الضحاك: الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب. وقال بعضهم: إياكم والغناء، فإنه يزيد الشهوة ويهدم المروءة، وإنه لينوب عن الخمر ويفعل السكر .

وروي عن الحسن أنه قال: ليس الدف من سنة المسلمين، والذي نقل عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه سمع الشعر لا يدل على إباحة الغناء، فإن حسنه حسن وقبيحه قبيح، وإنما يصير غناء بالألحان، وإن أنصف المنصف وتفكر في اجتماع أهل الزمان وقعود المغني بدفه والمشبب بشبابته وتصور في نفسه هل وقع مثل هذا الجلوس والهيئة بحضرته -صلى الله عليه وسلم- وها استحضروا قوالا وقعدوا مجتمعين لاستماعه، لا شك بأن ينكر ذلك من حاله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ولو كان في ذلك فضيلة تطلب ما أهملوها، وكثيرا ما يغلط الناس في هذا كلما احتج عليهم بالسلف الماضين يحتج بالمتأخرين فكان السلف أقرب عهدا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهديهم أشبه بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .

ثم ذكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن جدته أسماء، وعن ابن عمر في الإنكار على من يتساقط عند قراءة القرآن، وكذا عن ابن سيرين في الإنكار على مثلهم ثم قال: وأما إذا انضاف إلى السماع أن يسمع من الأمرد فقد توجهت الفتنة وتعين على أهل الديانة إنكار ذلك، قال بقية بن الوليد كانوا يكرهون النظر إلى الأمرد الجميل، وقال عطاء: كل نظرة يهواها القلب فلا خير فيها، وقال بعض التابعين: اللوطية على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون وصنف يعملون ذلك العمل، فقد تعين على طائفة الصوفية الاجتناب عن مثل هذه الاجتماعات واتقاء مواضع التهم، فهذه الآثار دلت على اجتناب السماع وأخذ الحذر منه . اهـ. كلام السهروردي باختصار .

وقال البدر بن جماعة في جواب فتوى رفعت إليه في السماع فقال: هذه مسألة خلافية تباينت فيها الطرق تباينا لا يوجد في غيرها، وصنف فيها العلماء تصانيف ولم يتركوا فيها لقائل مقالا، وملخص القول فيها أن الناس على أربعة أقسام:

فرقة استحسنت، وفرقة أباحت، وفرقة كرهت، وفرقة حرمت. وكل من هذه الفرق على قسمين: فمنهم من أطلق القول، ومنهم من قيده بشرط، ولسنا الآن بصدد التقصي لهذه الأقوال وترجيح بعضها على بعض; لأن هذا الجواب ليس واردا مورد التصنيف بل مورد الإفتاء الذي جرت العادة فيه بالاختصار فلنقتصر على حكاية المذاهب الأربعة .

فأما أبو حنيفة -رحمه الله- فمذهبه فيه أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال، وقد صرح أصحابه بأن استماعه فسق والتلذذ به كفر، وليس بعد الكفر غاية. وأما مالك -رحمه الله- فإنه لما سئل عنه قال: إنما يفعله عندنا الفساق، وفي كتب أصحابه إذا اشترى جارية فوجدها مغنية فله أن يردها بالعيب. وأما أحمد بن حنبل -رحمه الله-: فإن ابنه عبد الله سأله عنه فقال: يا بني الغناء ينبت النفاق في القلب، ثم ذكر قول مالك: إنما يفعله عندنا الفساق. وأما الشافعي -رحمه الله- فقد قال في كتاب أدب القضاء: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، وقال لأصحابه بمصر: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن. فإذا كان قوله في التغبير وهو عبارة عن شعر مزهد في الدنيا إذا غنى المغني به ضرب الحاضرون بقضب على نطع أو مخدة ضربا موافقا للأوزان الشعرية فليت شعري ماذا يقول في السماع الواقع في زماننا، فمن قال بإباحة هذا النوع فقد أحدث في دين الله ما ليس منه، انتهى باختصار .

(ونقل) الشيخ (أبو طالب) محمد بن علي بن عطية الحارثي البصري (المكي) -رحمه الله- تعالى في كتابه قوت القلوب (إباحة السماع عن جماعة) من السلف، (وقال سمع من أصحابه عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب أحد أجواد بني هاشم ولد بأرض الحبشة، وأمه أسماء بنت عميس توفي سنة ثمانين وهو ابن ثمانين، روى له الجماعة، وقال الشيخ كمال الدين أبو الفضل جعفر بن تغلب الأدفوي في الإمتاع: وأما عبد الله بن جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنهما- فسماع الغناء عنه مشهور مستفيض نقله عنه كل من أمعن في المسألة من الفقهاء والحفاظ وأهل التاريخ الأثبات، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: إنه كان لا يرى بالغناء بأسا، وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي في مؤلفه في السماع: كان عبد الله بن جعفر مع كبر شأنه يصوغ الألحان لجواريه ويسمعها منهن على أوتاره [ ص: 459 ] وروى الزبير بن بكار بسنده أن عبد الله بن جعفر راح إلى منزل جميلة يستمع منها لما حلفت أنها لا تغني لأحد إلا في بيتها، وغنت له وأرادت أن تكفر عن يمينها وتأتيه ليستمعه فمنعها .

(وابن الزبير) هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد القرشي الأسدي أبو بكر المدني، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق وكان فصيحا ذا لسن وشجاعة بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية وقتله الحجاج بمكة في أيام عبد الملك ابن مروان سنة ثلاث وسبعين .

وروى له الجماعة .

وروى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في كتابه: اقتناص السوانح، بسنده عن وهب بن سنان قال: سمعت عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- يترنم بالغناء. وقال عبد الله: قلما سمعت رجلا من المهاجرين إلا وهو يترنم. وقال إمام الحرمين وابن أبي الدم: إن الأثبات من أهل التواريخ نقلوا أنه كان لعبد الله بن الزبير جوار عوادات وأن ابن عمر دخل عليه فرأى العود فقال: ما هذا يا صاحب رسول الله؟ فناوله له فتأمله ابن عمر وقال: هذا ميزان شامي، فقال ابن الزبير: توزن به العقول، وحكى سماع الغناء عنه أيضا الشيخ تاج الدين الفزاري، نقل هذا كله الأدفوي في الإمتاع .

(والمغيرة بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود أبو عبد الله الثقفي كان يعد من دهاة العرب، تقدمت ترجمته بطولها في كتاب النكاح، وقد حكى سماعه الشيخ تاج الدين الفزاري وغيره، وكان كثير النكاح والتزويج. (ومعاوية) بن أبي سفيان الأموي روى ابن قتيبة بسنده أن معاوية سمع عند ابنه يزيد بالغناء على العود فطرب لذلك وذكر حكاية مطولة، وساقها أيضا المبرد في الكامل، وقال ابن قتيبة في كتاب الرخصة: دخل معاوية على عبد الله بن جعفر يعوده فوجد عنده جارية في حجرها عود فقال: ما هذا يا ابن جعفر؟ فقال: هذه جارية أرويها رقيق الشعر فتزيده حسنا لحسن تغنيها، قال: فلتقل، فحركت العود فغنت:


أليس عندك شكر للتي جعلت ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم
وجددت منك ما قد كان أخلقه طول الزمان وصرف الدهر والقدم



قال فحرك معاوية رجله فقال له عبد الله: لم حركت رجلك؟ فقال: إن الكريم طروب .

وحكى الماوردي في الحاوي أن معاوية وعمرو بن العاص مضيا إلى عبد الله بن جعفر لما استكثر من سماع الغناء وانقطع إليه واشتغل به فمضيا إليه ليكلماه في ذلك، فلما دخلا عليه سكتت الجواري، فقال له معاوية: مرهن يرجعن إلى ما كن عليه، فرجعن فغنين، فطرب معاوية فحرك رجله على رجله على السرير فقال له عمرو: إن من جئت تلحاه أحسن حالا منك، فقال له معاوية: إليك يا عمرو فإن الكريم طروب .

(وغيرهم) منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نقله ابن عبد البر وابن طاهر في صفوة التصوف، ومنهم عثمان بن عفان نقل الماوردي في الحاوي وصاحب البيان وغيرهم أنه كانت له جاريتان تغنيان له، فإذا كان وقت السحر قال لهما: أمسكا فإن هذا وقت الاستغفار، ومنهم عبد الرحمن بن عوف رواه أبو بكر بن أبي شيبة وابن عبد البر والمبرد والزبير بن بكار وغيرهم، ومنهم أبو عبيدة بن الجراح رواه البيهقي، ومنهم سعد بن أبي وقاص، رواه ابن قتيبة في كتاب الرخصة، ومنهم أبو مسعود البدري رواه البيهقي، ومنهم بلال المؤذن رواه البيهقي أيضا منهم عبد الله بن الأرقم رواه ابن عبد البر، ومنهم أسامة بن زيد، رواه البيهقي وابن عبد البر، ومنهم حمزة بن عبد المطلب وقصته في الصحيحين، ومنهم عبد الله بن عمر رواه طاهر ابن حزم وابن أبي الدم، ومنهم البراء بن مالك رواه أبو نعيم الحافظ، وابن دقيق العيد، ومنهم عمرو بن العاص، رواه ابن قتيبة، وقد تقدم، ومنهم النعمان بن بشير، رواه صاحب الأغاني وصاحب العقد وشارح المقنع، ومنهم حسان بن ثابت رواه صاحب الأغاني، ومنهم خوات بن جبير ورياح بن المغترف رواهما البيهقي، ومنهم عبيد الله بن عمر رواه الزبير بن بكار في الموفقيات، ومنهم عائشة الصديقية وردت أحاديث كثيرة في سماعها .




الخدمات العلمية