الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها أنه إذا بلي بذي شر فينبغي أن يتحمله ويتقيه قال بعضهم : خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالفة فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر .

وقال أبو الدرداء إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم وهذا معنى المداراة وهي مع من يخاف شره قال الله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن السيئة قال ابن عباس في معنى قوله: ويدرءون بالحسنة السيئة أي : الفحش والأذى بالسلام والمداراة .

وقال في قوله تعالى : ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض قال بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة .

وقالت عائشة رضي الله عنها استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ائذنوا له فبئس رجل العشيرة هو ، فلما دخل ألان له القول حتى أن له عنده منزلة فلما خرج قلت له : لما دخل قلت الذي قلت ثم ألنت له القول فقال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه .

وفي الخبر ما وقى الرجل به عرضه فهو له صدقة .

وفي الأثر : خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب .

وقال محمد بن الحنفية رضي الله عنه ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له منه فرجا .

التالي السابق


(ومنها إذا بلي بذي خلق سيئ) أي: رديء (فينبغي أن يجامله) أي: يعمل معه جميل الخلق (ويتقيه) أي: يحذر من [ ص: 288 ] شره (قال بعضهم: خالص المؤمنين مخالصة) أي: عاشرهم بإخلاص وحسن نية (وخالق الفاجر مخالقة) أي: جامل معه بحسن الخلق (فإن الفاجر يرضى بالخلق الحسن في الظاهر) ويميل إليه فيكون سبيلا لاستمالة قلبه، نقله صاحب القوت عن الشعبي عن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخيه زيد: أنا كنت أحب إلى أبيك منك وأنت أحب إلي من ابني، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك مخالصة المؤمن .

(وقال أبو الدرداء) -رضي الله عنه- (إنا لنكشر) أي: نبش (في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتبغضهم) كذا في القوت .

وأخرجه أبو نعيم في الحلية حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر حدثنا عبد الجبار بن العلاء حدثنا سفيان عن خلف بن حوشب قال: قال أبو الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم. اهـ. .

(وهذا معنى المداراة وهي ملاطفة من يخاف شره) وأصلها المخاتلة من دريت الصيد وأدريته ختلته (قال الله تعالى فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وقال ابن عباس) -رضي الله عنه- (في معنى قوله تعالى: فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) أي: قريب، ولفظ القوت بعد نقل قول أبي الدرداء: فمعنى هذا على الثقة والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه كما جاء في تفسير قوله تعالى: ادفع بالتي هي أحسن قيل: السلام فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .

(وقال ابن عباس) -رضي الله عنه- (في معنى قوله تعالى: ويدرءون بالحسنة السيئة ) قال (أي: الفحش والأذى) وهو السيئة (بالسلام والمداراة) وهو الحسنة؛ أي: يدفعون بالسلام عليهم والملاينة معهم في الكلام بالخلق الجميل ما جبلوا عليه من فحشهم وأذاهم، ومن الكلام المشهور: دارهم ما دمت في دارهم، وكذا قولهم: داروا سفهاءكم، وفي الخبر: داروا الناس على قدر إحسانهم وخالطوا الناس على قدر أديانهم وأنزلوا الناس منازلهم وداروا الناس بعقولكم، وفيه يقول الشاعر:


كان لا يدري مداراة الورى ومداراة الورى أمر مهم



(وفي معنى قوله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت) الآية (قال) ولفظ القوت: قيل (بالرهبة والرغبة والمداراة) زاد صاحب القوت: وكذا معنى قولهم: خالص المؤمن وخالق الفاجر، فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المواخاة في الله -عز وجل- والمخالقة المخالطة في المعاملة والمبايعة وعند اللقاء .

(وقالت عائشة -رضي الله عنها- استأذن رجل على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ائذنوا له فبئس رجل العشيرة، فلما دخل ألان له القول) ولاطفه (حتى ظننت أن له عنده منزلة) وقدرا (فلما خرج قلت له: لما دخل قلت الذي قلت) تعني قوله: "بئس رجل العشيرة" (ثم ألنت له القوت) ولاطفته (فقال) -صلى الله عليه وسلم- (يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه) أي: تركوا مخالطته وتجنبوا معاشرته لأجل قبح قوله وفعله، وهذا أصل المداراة. رواه الشيخان وأبو داود والترمذي، وعند الخطيب في المتفق والمفترق وابن النجار "شر الناس يوم القيامة من اتقي مجلسه لفحشه" وسنده حسن، وفي رواية للترمذي: يا عائشة "إن من شر الناس منزلة يوم القيامة من يخاف الناس شره" وهو في ذم الغيبة لابن أبي الدنيا بلفظ: "شر الناس منزلة يوم القيامة من يخاف لسانه أو يخاف شره".

(وفي الخبر ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة) وفي رواية: كتب له به صدقة، قال العراقي: رواه أبو يعلى وابن عدي من حديث جابر. اهـ. ورواه الحاكم بلفظ: "ما وقى به المؤمن" وقد رواه عن جابر محمد بن المنكدر وعنه مسور بن الصلب وعبد الحميد بن الحسن الهلالي، قلت لابن المنكدر: ما يعني به؟ قال: أن تعطي الشاعر أو ذا اللسان المتقى، للديلمي من طريق أبي المسيب عن أبي هريرة مرفوعا "ذبوا بأموالكم عن أعراضكم، قالوا: يا رسول الله كيف؟ قال: تعطون الشاعر ومن يخاف لسانه. ورواه ابن لال من حديث عائشة.

(وفي الأثر: خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم بالقلوب) كذا في القوت وتقدم معناه قريبا وهو في جزء الغسولي من حديث جابر بنحوه، وقد تقدم قريبا وأخرج العسكري في الأمثال من حديث ثوبان "خالطوا الناس بأخلاقكم وخالفوهم" (وقال) أبو القاسم [ ص: 289 ] (محمد بن) علي بن أبي طالب الشهير بابن (الحنفية) وهي أمه اسمها خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الردل بن حنيفة، كانت من سبي اليمامة الذين سباهم أبو بكر الصديق، دخل على عمر وروى عن عثمان وأبيه وعنه ابناه الحسن وعبد الله ومنذر أبو يعلى الثوري.

وروى ليث بن أبي سليم عن محمد بن بشر عن محمد بن الحنفية عن علي قال: قلت: يا رسول الله، إن ولد لي مولود بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم، قيل: إنه ولد في خلافة أبي بكر ومات برضوى سنة ثلاث وسبعين، وقيل: غير ذلك، ودفن بالبقيع، والمشهور أنه بالطائف هو وابن عباس في قبر واحد روى له الجماعة (ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا) أخرجه أبو نعيم في الحلية قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو خليفة، حدثنا عبيد الله بن محمد ابن عائشة، حدثنا عبد الله بن المبارك عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن منذر الثوري قال: قال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا.




الخدمات العلمية