الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود

جزء التالي صفحة
السابق

آ. (80) قوله تعالى: سكنا : يجوز أن يكون مفعولا أول، على أن الجعل تصيير، والمفعول الثاني أحد الجارين قبله. ويجوز أن يكون الجعل بمعنى الخلق فيتعدى لواحد. وإنما وحد السكن لأنه بمعنى ما تسكنون فيه، قاله أبو البقاء: وقد يقال: إنه في الأصل مصدر، وإليه ذهب ابن عطية فتوحيده واضح. إلا أن الشيخ منع كونه مصدرا، ولم يذكر [ ص: 273 ] وجه المنع، وكأنه اعتمد على قول أهل اللغة أن "السكن" فعل بمعنى مفعول كالقبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض، وأنشد الفراء:


3008 - جاء الشتاء ولما أتخذ سكنا يا ويح نفسي من حفر القراميص

قوله: يوم ظعنكم قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح العين; والباقون بإسكانها، وهما لغتان بمعنى كالنهر والنهر. وزعم بعضهم أن الأصل الفتح، والسكون تخفيف لأجل حرف الحلق كالشعر في الشعر.

قوله: أثاثا فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوب عطفا على "بيوتا"، أي: وجعل لكم من أصوافها أثاثا، وعلى هذا فيكون قد عطف مجرورا على مجرور ومنصوبا على منصوب، ولا فصل هنا بين حرف العطف والمعطوف حينئذ. وقال أبو البقاء: "وقد فصل بينه وبين حرف العطف بالجار والمجرور وهو قوله: ومن أصوافها ، وهو ليس بفصل مستقبح كما زعم في "الإيضاح"; لأن الجار والمجرور مفعول، وتقديم مفعول على مفعول قياس". وفيه نظر; لما عرفت من أنه عطف مجرور على مثله ومنصوب على مثله.

والثاني: أنه منصوب على الحال، ويكون قد عطف مجرورا على مثله، تقديره: وجعل لكم من جلود الأنعام ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها بيوتا [ ص: 274 ] حال كونها أثاثا، ففصل بالمفعول بين المتعاطفين. وليس المعنى على هذا، إنما هو على الأول.

وقوله: كلمح البصر : اللمح مصدر لمح يلمح لمحا ولمحانا، أي: أبصر بسرعة. وقيل: أصله من لمح البرق، وقولهم: "لأرينك لمحا باصرا"، أي: أمرا واضحا.

وقوله: في جو السماء : الجو: الهواء، وهو ما بين السماء والأرض. قال:


3009 - فلست لإنسي ولكن لملأك     تنزل من جو السماء يصوب

وقيل: الجو ما يلي الأرض في سمت العلو، واللوح والسكاك أبعد منه.

وقوله: "ظعنكم" مصدر ظعن، أي: ارتحل، والظعينة الهودج فيه المرأة، وإلا فهو محمل، ثم كثر حتى قيل للمرأة: ظعينة.

وقال أهل اللغة: الأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والشعر للمعز. والأثاث: متاع البيت إذا كان كثيرا. وأصله من أث الشعر والنبات إذا كثفا وتكاثرا. قال امرؤ القيس: [ ص: 275 ]

3010 - وفرع يغشي المتن أسود فاحم     أثيث كقنو النخلة المتعثكل

ونساء أثائث، أي: كثيرات اللحم، كأن عليهن أثاثا، وتأثث فلان: كثر أثاثه. وقال الزمخشري : "الأثاث ما جد من فرش البيت، والخرثي: ما قدم منها"، وأنشد:


3011 - تقادم العهد من أم الوليد بنا     دهرا وصار أثاث البيت خرثيا

وهل له واحد من لفظه؟ فقال الفراء: لا. وقال أبو زيد: "واحده: أثاثة، وجمعه في القلة "أثثة"، كبتات وأبتة". قال الشيخ: وفي الكثير على "أثث". وفيه نظر; لأن فعالا المضعف يلزم جمعه على أفعلة في القلة والكثرة، ولا يجمع على فعل إلا في لفظتين شذتا، وهما: عنن وحجج جمع عنان وحجاج، وقد نص النحاة على منع القياس عليهما، فلا يجوز: زمام وزمم بل أزمة. وقال الخليل: الأثاث والمتاع واحد، وجمع بينهما لاختلاف لفظيهما كقوله: [ ص: 276 ]

3012 - ... ... ... ...     وألفى قولها كذبا ومينا

وقوله:


3013 - ... ... ... ...     أتى من دونها النأي والبعد

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث